أدبلغةنقد

أسئلة موسيقا الشعر

تمهيد ومدخل معرفي

تمثل أسئلة الموسيقا الشعرية مدخلاً أساسياً لدراسة جانب مهم من جوانب التجديد في بناء الشعر وتشكيله، وتتلخص أهم هذه الأسئلة في أربعة محاور:

  1. لماذا الموسيقا؟

  2. ما الموسيقا؟

  3. كيف سارت؟

  4. إلى أين تتجه؟

ولما كان التراث العروضي مرجعاً مهماً لرواد التجديد الشعري؛ إيجاباً لدى شعراء التفعيلة، وسلباً لدى رواد قصيدة النثر، كان من الضروري تجلية صورة هذا التراث ليكون الحوار معه والاختلاف حوله على بصيرة، بعيداً عن التعصب له أو ضده.

إن الأجوبة المقدمة هنا ليست فاصلة بطبيعة الحال؛ لإدراكنا أن الكلمة الأخيرة في العلوم الإنسانية —وعلم الشعر منها— لمَّا تُقلْ، وحسب هذه المحاولة أن تمثل اجتهاداً يثري الحوار، ويتقدم به خطوة في قضية شاغلة للدرسين النقدي والعروضي، وللمثقف العربي بوجه عام.

أولاً: لماذا الموسيقا؟

للموسيقا وقْعٌ جليٌّ في قضية التجديد الشعري؛ فقد كانت، وما تزال، محور هذا التجديد في مراحل عديدة من تاريخ الأدب العربي وحاضره. كما كانت أسئلة الموسيقا أبواباً للولوج إلى أشكال تعبيرية جديدة:

  • إيجاباً (بتحققها): كالموشحات، والمخمسات، والرباعيات، والمواويل، والمزدوجات، وصولاً إلى الشعر الحر (التفعيلة).

  • سلباً (بغيابها): كما في قصيدة النثر (الإيقاع).

وقد كانت هذه الأسئلة أسباباً للخلاف الذي يصل في أحايين كثيرة إلى درجة الصراع، وفي هذا السياق يقول د. علي عشري زايد:

“كان أول ما لفت أنظار المتابعين لحركة التطور في القصيدة العربية المعاصرة من مظاهر التجديد في بنية هذه القصيدة – وأبرز ما لفتهم – هو شكلها الموسيقي، حتى لقد نسبت حركة التجديد كلها إليه في البداية”.

الموسيقا عنصر جوهري، لكنه ليس الوحيد؛ لأن الشعر في الأساس: “صياغة وضرب من النسج وجنس من التصوير”. وحتى العلماء الذين بالغوا في أهمية عنصر الوزن كـ ابن رشيق القائل:

“الوزن أعظم أركان حد الشعر، وأولاها به خصوصية”.

لا يرى له فضلاً إذا لم تتحقق شروط الشعر الأخرى، إذ يعقب قائلاً:

“إنما سمي الشاعر شاعراً؛ لأنه يشعر بما لا يشعر به غيره. فإذا لم يكن عند الشاعر توليد معنى ولا اختراعه أو استظراف لفظ وابتداعه، أو زيادة فيما أجحف فيه غيره من المعاني، أو نقص مما أطاله سواه من الألفاظ، أو صرف معنى إلى وجه عن وجه آخر؛ كان اسم الشاعر عليه مجازاً لا حقيقة ولم يكن له إلا فضل الوزن، وليس بفضل عندي مع التقصير”.

ولهذا لم يجعل حازم القرطاجني الوزن من عناصر الشعر الضرورية، بل صنفه ضمن العناصر الأكيدة المستحبة، مقدماً عليه تخاييل الأسلوب، حيث قال:

“والتخاييل الضرورية هي تخاييل المعاني من جهة الألفاظ، والأكيدة والمستحبة تخاييل اللفظ في نفسه وتخاييل الأسلوب وتخاييل الأوزان والنظم، وآكد ذلك تخييل الأسلوب”.

أما القافية، فقد رأى السكاكي أنها لا تلزم الشعر لكونه شعراً بل لأمر عارض، وإلا:

“فليس للتقفية معنى غير انتهاء الموزون، وأنه أمر لا بدَّ منه، جارٍ من الموزون مجرى كونه مسموعاً.. فحقه ترك التعرض”.

من هنا يتضح أن العلماء العرب لم يبالغوا في عنصري الوزن القافية بالصورة التي يشيعها بعض الدارسين، مع إدراكهم التام لقيمتهما وتأثيرهما. وفي التمييز بين الجنسين يقول د. محمد مندور:

“نستطيع أن ننتهي إلى أن الموسيقا الشعرية تعتبر أحد المقاييس الأساسية التي تميز فن الشعر عن فن النثر، مع اعترافنا بأنها ليست المقياس الوحيد بل يجب أن نجمع إليه مقاييس أخرى.. فإذا اجتمعت للشعر الموسيقى والمضمون الشعري وأسلوب التعبير اللغوي الشعري الطابع، استطعنا ارتكازاً على هذه العناصر أن نميز بين الشعر والنثر”.

ثانياً: الموسيقا والعروض

إن موسيقا الشعر أسبق من علم العروض بالبداهة، وقد عبّر عن هذا المعنى صلاح الدين الصفدي بقوله:

“إن العروض كان في الوجود بالقوَّة إلى أن أظهره الخليل بن أحمد، كما قال القائل:

قد كان شعر الوَرَى صحيحاً من قبل أن يُخْلَقَ الخليلُ

فالعروض ما زال موجوداً، أخرجه الخليل إلى الوجود أم لا. ولليونان شعرٌ أيضاً، ويسمُّون تقطيعه الأيدي والأرجل. وقال الرئيس ابن سينا: واضع النحو والعروض في العربيَّة يشبه واضع المنطق والموسيقى في اليونانيَّة”.

ولم يقف علماء البلاغة عند الحدود العروضية الصرفة، بل قسموا الشعر من حيث تأثيره الموسيقي والنفسي إلى خمسة أقسام، منها:

  • مُرْقِص: كقول أبي جعفر طلحة وزير سلطان الأندلس:

    والشمس لا تشرب خمر الندى في الروض إلا من كؤوس الشقيق

  • ومُطْرِب: كقول زهير بن أبي سلمى:

    تراه إذا ما جئته متهللاً كأنك تعطيه الذي أنت سائله

  • ومَتْرُوك: وهو ما كان كلاً على السمع والطبع، كقول الشاعر:

    تقلقلت بالهم الذي قلقل الحشا قلاقل هم كلهن قلاقل

هذا التقسيم لا يراعي الوزن العروضي؛ فكل هذه الأبيات مشتركة في استقامة الوزن، وإنما يراعي أدوات إبداعية أخرى كالتناسب والانسجام بين الحروف، والتصوير، والذوق الفني؛ مما يدل على أن الوزن هو الحد الأدنى من الموسيقا وليس كلها.

يقول القرطاجني في رداءة النظم المفارق للجمال:

“وأردأ الشعر ما كان قبيح المحاكاة والهيئة، واضح الكذب خلياً من الغرابة، وما أجدر ما كان بهذه الصفة ألا يسمى شعراً وإن كان موزوناً مقفى”.

وعندما صاغ العلماء مفهوم “عمود الشعر العربي”، جعلوا الوزن في المرتبة الأخيرة بعد تحقق الشروط الفنية الأساسية، كما يتجلى في تعريف المرزوقي:

“هو شرف المعنى وصحته، وجزالة اللفظ واستقامته، والإصابة في الوصف (وهو التصوير)، والتحام أجزاء النظم والتئامها، على تخير من لذيذ الوزن”.

وعقّب المرزوقي موضحاً:

“وإنما قلنا على تخير من لذيذ الوزن لأن لذيذه يطرب الطبع لإيقاعه ويمازجه بصفائه، كما يطرب الفهم لصواب تركيبه واعتدال نظومه، ولذلك قال حسان:

تَغَنَّ في كُلِّ شِعرٍ أَنتَ قائِلُهُ … إِنَّ الغِناءَ لِهَذا الشِعرِ مِضمارُ

وأما القافية فيجب أن تكون كالموعود به المنتظر، يتشوقها المعنى بحقه واللفظ بقسطه وإلا كانت قلقة في مقرها مجتلبة”.

يكشف هذا النص خطأ من اختزل “عمود الشعر” في ميزان الوزن القسري؛ فالوزن شرط بين شروط كثيرة متكاملة.

ثالثاً: العروض والإيقاع

ربط العلماء العرب بين العروض والموسيقا برباط وثيق، يوضح ذلك السيوطي بقوله:

“إن أهل العروض مجمعون على أنه لا فرق بين صناعة العروض وصناعة الإيقاع إلا أن صناعة الإيقاع تقسيم الزمان بالنغم وصناعة العروض تقسم الزمان بالحروف المسموعة”.

 

ويؤكد ابن طباطبا العلوي هذا التلاحم قائلاً:

 

“وللشعر الموزون إيقاع يَطرَبُ الفهمُ لصوابه، ويرد عليه من حسن تركيبه واعتدال أجزائه. فإذا اجتمع للفهم مع صحة وزن الشعر صحة المعنى وعذوبة اللفظ فصفا مسموعه، ومعقوله من الكدر تم قبوله له، واشتماله عليه، وإن نقص جزء من أجزائه التي يعمل بها، وهي: اعتدال الوزن، وصواب المعنى، وحسن الألفاظ، كان إنكار الفهم إياه على قدر نقصان أجزائه. ومثال ذلك الغناء المطرب الذي يتضاعف له طرب مستمعه، المتفهم لمعناه”.

وفي ذات السياق، يرد د. سعد مصلوح على زعم خلو الوزن العروضي من الإيقاع:

“البحر نوع من الإيقاع لا مشاحة في ذلك.. فهو بنية إيقاعية على كل حال.. إن الوزن نوع والإيقاع جنس، فكل وزن إيقاع ولا عكس”.

وقد تجلى هذا الربط في تعريف المتأخرين لعلم العروض بأنه:

“علم يُبحث فيه عن أحوال الأوزان المعتبرة للشعر العارضة للألفاظ والتراكيب العربية، وموضوعه الألفاظ العربية من حيث إنها معروض للإيقاعات المعتبرة في البحور الستة عشر عند العرب..؛ فعلى الأول يكون علم العروض من فروع الموسيقا، وعلى الثاني من فروع علم الشعر على مذهب المتأخرين، وغايته الاحتراز عن الخطأ في إيراد الكلام على الإيقاعات المعتبرة”.

ويتأكد هذا التمازج الصوتي في تعريف الزمخشري لموضوع العروض بأنه دراسة أصداء الحروف:

“وكيفية تقطيع الأبيات أن تَتَّبع اللفظ، وما يؤدّيه اللسان، من أصداء الحروف، وتُنكّبَ عن اصطلاحات الخطّ جانباً”.

إن موسيقا الشعر نتاج التناسب بين الوزن والإيقاع، وهو ما التفت إليه تعريف الموسوعة العربية العالمية:

“تعني مراعاة التناسب في أبيات القصيدة بين الإيقاع والوزن، بحيث تتساوى الأبيات في عدد المتحركات والسواكن المتوالية، مساواة تحقق في القصيدة ما عرف بوحدة النغم، وهذه الموسيقى اتخذت معايير متعددة، منها ما يتصل بعروض الشعر وميزانه، ومنها ما يتصل بقافيته ورويه، وهذا يحقق إيقاع الشعر وموسيقاه”.

(ورغم توفيق هذا التعريف في الربط، إلا أنه أخطأ علمياً في فرض تساوي الأبيات المطلق في الحركات والسكنات؛ لما فيه من إهدار لمرونة الزحافات والعلل).

رابعاً: العروض وتجدد موسيقا الشعر

أدرك علماء التراث أن أوزان الشعر كائنات حية قابلة للتطور، ويشير الزمخشري إلى هذا الأفق المفتوح بقوله:

“أُقدّمُ -بين يدي الخوض فيما أنا بصدده- مقدّمةً، وهي أنَّ بناء الشعر العربي على الوزن المُخترعِ، الخارج عن بحور شعر العرب، لا يَقدحُ في كونه شعراً عندَ بعضهم. وبعضُهم أبى ذلك، وزعم أنه لا يكون شعراً حتى يُحامَى فيه وزن من أوزانهم”.

فالاختراع مفتوح عروضياً وفق مذهب الخليل نفسه، أما المذهب الضيق فيمثله الزجاج الذي اشترط محاكاة أوزان العرب القديمة، وهو ما تعقبه السكاكي بقوله: “ولا أدري أحداً تبعه في مذهبه هذا”.

وينتصر الزمخشري للمذهب التجديدي قائلاً:

“والذي ينصر المذهب الأول هو أن حَدَّ الشعر لفظٌ، موزونٌ، مقفّى، يدلّ على معنى. فاللفظ وحده هو الذي يقع فيه الاختلاف بين العرب والعجم. فإنَّ العربيّ يأتي به عربيّاً، والعجميّ يأتي به عجميّاً. وأما الثلاثة الأُخر فالأمر فيها على التَّساوي بين الأمم قاطبة؛ ألا ترى أنا لو عملنا قصيدة على قافية، لم يُقَفّ بِها أحدٌ من شعراء العرب، ساغ ذلك مساغاً لا مجالَ فيه للإِنكار.. فليس غرض العروضي من هذا المذهب أن يحصر الأوزان التي إذا بُني الشعر على غيرها لم يكن شعراً عربيّاً، وأنَّ ما يرجع إلى حديث الوزن مقصور على هذه البحور الستةَ عشرَ لا يتجاوزها. إنما الغرض حصر الأوزان التي قالت العرب عليها أشعارهَا. فليس تجاوز مقولاتها بمحظور في القياس”.

خامساً: التفعيلة كوحدة قياس الوزن والبدائل المقترحة

اختار العروضيون “التفعيلة” ميزاناً للوزن، ونجحت تاريخياً في ضبط الموسيقا الشعرية إبداعاً وتعليماً، وتبناها رواد شعر التفعيلة لاحقاً. ويقارن د. محمد مندور بين الأنظمة الموسيقية قائلاً:

“أما الموسيقى فتختلف طبيعتها من لغة إلى لغة، ومن شعر لغة إلى شعر لغة أخرى؛ فالشعر اليوناني واللاتيني القديم، كانت موسيقى تقوم على الكم اللغوي للمقاطع…. وأما شعرنا فمن المعروف أن أساسه الموسيقي الحركة والسكون. ومن الحركات والسكنات تتكون الفواصل المختلفة (الأسباب والأوتاد) وكل مجموعة من الفواصل تكون تفعيلة تقابل ما يسمى بالقدَم عند الغربيين”.

وتجسد الزحافات والعلل مرونة بالغة لكسر الرتابة الآلية، وفيها يقول الأصمعي: “الزحاف في الشعر كالرخصة في الفقه لا يقدم عليها إلا فقيه”. ومن الغريب أن ينظر إليها ميخائيل نعيمة كعيوب متمنياً التخلص منها بقوله: “حينئذ يا أخي تثمر قرائحنا فيكثر شعرنا وتقل زحافاتنا وعللنا”.

وقد حاول بعض الباحثين المحدثين طرح بدائل للتفعيلة، منها:

  1. نظام المقاطع الصوتية (Syllable): وتبناه د. إبراهيم أنيس بدعوى اشتراك المقطع بين اللغات. والرد على ذلك أن غرض العروض ليس تحليل اللغات العالمية بل رصد خصوصية العربية بصفتها لغة اشتقاقية لا مقطعية.

  2. نظام النبر (Stress): وحاول قوننته د. إبراهيم أنيس ود. كمال أبو ديب، ولم تسلم قواعدهما من الطعن النقدي؛ إذ يؤخذ على الأول عدم الدقة، وعلى الثاني وضع قواعد غير منطقية لتمرير تحليله الخاص (كما يرى د. سيد البحراوي).

ونظراً لغياب الانضباط والموضوعية في نظام النبر، يظل تقسيم العرب للشعر إلى تفاعيل —كما يرى د. مندور— كسباً ثابتاً لا سبيل إلى نقضه. ولم يقف المبدعون عبر العصور عند حدود القواعد الجامدة؛ فهذا أبو العتاهية يعلن أنه “أكبر من العروض”، وصنع أوزاناً طريفة لم يسبق إليها وأشاد بها العلماء ولم يخطّئوه.

سادساً: شعر التفعيلة (المرجعية والتطبيق)

أحدث اختيار نازك الملائكة لمصطلح “الشعر الحر” التباساً؛ لأن المصطلح الغربي (Free Verse) يعني التحرر المطلق من أي نظام إيقاعي مطرد، في حين عرفته نازك بأنه:

“شعر ذو شطر واحد ليس له طول ثابت وإنما يصح أن يتغير عدد التفعيلات من شطر إلى شطر ويكون هذا التغيير وفق قانون عروضي يتحكم فيه، وأساس الوزن في الشعر الحر أنه يقوم على وحدة التفعيلة… تشترط بدءاً أن تكون التفعيلات في الأسطر متشابهة تمام التشابه”.

ورغم نسبة الريادة تاريخياً إلى نازك في “الكوليرا” (1947م) أو بدر شاكر السياب في “أزهار ذابلة”، فإن التحقيق يثبت سبقهما؛ كقصيدة محمود حسن إسماعيل “مأتم الطبيعة” المنشورة في مجلة أبولو عام 1933م تحت عنوان (من الشعر الحر). كما قدم الشاعر والمسرحي علي أحمد باكثير رؤية مبكرة لاكتشاف هذا النمط في المسرح الشعري قائلاً:

“إن الأصلح لذلك هو الشعر المرسل… المستند على التفعيلة لا البيت كوحدة نغمية، تتلاحق التفعيلات في الجملة المسرحية الواحدة متصلة مترابطة دون نظر إلى الحيز الذي تشغله… شأنها في ذلك شأن الجملة النثرية”.

1. الإطار والبحور الشعرية

أكد النقاد صلة هذا الفن بالبحور السيالة المعتمدة على تفعيلة متكررة (الكامل، الرجز، الرمل، المتدارك، المتقارب، الوافر)، كقول محمود حسن إسماعيل من بحر الكامل:

أهواك يا وطني

يا كل ما تروي به شفة الهوى فتني

وتصبه في الكأس أيامي

رحيق الخلد، أشربه ويشربني

وربما طوع الشاعر البحور المركبة (كالطويل والبسيط والخفيف)، ومن ذلك تجربة أدونيس على بحر البسيط:

هَدَمْتُ مملكتي (متفعلن فعلن)

هَدَمْتُ عرشي وساحاتي وأورقتي (متفعلن فاعلن مستفعلن فعلن)

ورحت أبحث محمولاً على رئتي (متفعلن فعلن مستفعلن فعلن)

ورغم اعتراض نازك الملائكة على إدراج البحور المركبة ضمن الشعر الحر، فإن التجربة أثبتت شعريتها. وفي سياق التجديد العروضي، استنبط د. أحمد مستجير بحراً منبثقاً من الخبب سماه “بحر السبب” يسمح بتوالي سبعة متحركات، وهو ما وظفه صلاح عبد الصبور بكثرة في مسرحه الشعري معتبراً إياه تطويراً عروضياً تقتضيه الدراما.

2. ظاهرة الالتفات العروضي

وهي شعور الشاعر بضرورة الانتقال من نمط التفعيلة إلى نمط الشعر الأصيل (البيت) داخل النص الواحد لدواعي غنائية أو شعورية، ثم العودة مجدداً للسرد التفعيلي، كقول د. أحمد درويش:

والكلماتُ المورقات (مستعلن مستفعلان)

تنساب عبر أغنية (مستفعلن متفعلن)

يرسلها الناي الرخيُّ ساعةً مستأنية: (مستعلن مستفعلن متفعلن مستفعلن)

يا عابر الدرب عرج عند مغنانا … لا يعرف الليل والسمَّــــارُ أحـزانا

مرَّ الضُّحى عرقاً تنساب دفـقته … في الأرض خصباً وإرساء وبنيانا

تجاوبت في صداه الرحب أغنيةٌ … وشى بها الفأسُ والعصفورُ دنيـانا

الليلُ طاب يا صحابْ (مستفعلن متفعلان)

سابعاً: من ظواهر التشكيل الموسيقي في شعر التفعيلة

1. التطور في الزحاف والعلة

تجاوز الشعراء القوالب التقليدية؛ كتحول تفعيلة (مستفعلن) في الرجز إلى (مفاعيلن) المميزة للهزج، كقول صلاح عبد الصبور:

الناس في بلادي جارحونَ كالصقورْ (مستفعلن مفاعيلن متفعلن متفعْ)

وكذلك إدخال علة الترفيل على تفعيلة الرجز لتصبح (متفعلاتن) في تحليل د. مستجير، مما يؤكد أن العلة تصرف إبداعي مرن وليس “مرضاً” يصيب التفعيلة، ومصداق ذلك قول التبريزي: “وربما كان الزحاف في الذوق أطيب من الأصل”.

2. القافية وطاقاتها التعبيرية

أجمع الرواد على قيمة القافية؛ فتقول نازك: “القافية ركن مهم في موسيقية الشعر الحر لأنها تحدث رنيناً وتثير في النفس أنغاماً وأصداء، وهي فاصلة قوية واضحة”. ويقول عبد الصبور: “القافية اجتهاد لخلق نوع من الموسيقى، يتعاون مع الوزن في معاونة الانفعال الشعري”.

ويعد أمل دنقل من أبرز من وظف القافية توظيفاً هارمونياً، يتراوح بين الالتزام الصارم (لزوم ما لا يلزم) كقوله في “لا تصالح”:

أترى / حين أفقأ عينيك / ثم أثبت جوهرتين مكانهما.. / هل ترى..؟ / هي أشياء لا تشترى.

وبين الترخص بارتكاب ما يعده القدماء عيوباً كسناد التأسيس والجمع بين حركات مختلفة (المقدسة، المكدسة، البائسة) في “زرقاء اليمامة”، وهو صنيع مقبول في إطار تيسير شعر التفعيلة، وتابعه فيه شعراء كبار مثل فاروق شوشة.

3. ظاهرة التدوير

التدوير في شعر البيت هو اشتراك شطري البيت في كلمة واحدة. ورغم إنكار نازك الملائكة لوقوع التدوير في الشعر الحر مستشهدة بنموذج مصنوع هجين، فإن الواقع الإبداعي أثبت نجاح التدوير عند اعتباره رِباطاً وثيقاً بين السطور المتلاحقة، كما تميز به أمل دنقل في قصيدة “ضد من”:

كان نقاب الأطباء أبيضَ / لون المعاطف أبيضُ / تاج الحكيمات أبيضُ، أردية الراهباتِ، / الملاءاتُ / لون الأسرةِ، أربطة الشاش والقطنِ، / قرص المنومِ، أنبوبة المصلِ، كوب اللبنْ / كل هذا أشاع بقلبي الوهنْ

4. ظاهرة التضمين

التضمين هو عدم استقلال السطر الشعري بمعناه وتعلقه بالسطر الذي يليه. وفي حين زعم البعض أن القدماء عابوه مطلقاً، يثبت التحقيق المنهجي رخصة الخليل والأخفش فيه؛ يقول الشنتريني: “لم يذكر الخليلُ التضمينَ في العيوب ولا عده منها؛ لأن المعنى صحيح”. ونقل ابن جني جوازه واستعمال العرب له. ويبرز التضمين كحتمية فنية في شعر التفعيلة، كقول محمد الفايز:

وفؤادي الحرن الصغير / صندوق آلام تحطم من زمان / لن تدخل الكلمات فيه عن لسانْ / رجل عجوز.

خاتمة

يخلص البحث بيقين إلى أن شعر التفعيلة لم يمثل انقطاعاً معرفياً مع الماضي، بل اعتمد عروض الخليل بن أحمد إطاراً مرجعياً، وأفاد من طاقاته الصوتية الكامنة ومكنوناته الإيقاعية، مجدداً في إطار هذا الالتزام الواعي في مختلف مستويات البناء الأدبي والتشكيل الموسيقي.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى