أدبنقد

إطلالة على عالم الشاعر الكبير: د. سمير العمري

إطلالة على الفضاء الشعري للدكتور سمير العمري: بعض معالم "المدرسة العمرية" وركائزها البنائية

الناظر المتأمل في العوالم الإبداعية للشاعر الكبير القدير د. سمير العمري يدرك بيقينٍ لا يخالجه شك أننا أمام قامة أدبية أصيلة، يصحّ اعتبارها أحد أبرز حراس “عمود الشعر العربي” في عصرنا الراهن. إنّه يؤسس لمدرسة شعرية فريدة، ذات ملامح وخصائص متفردة، وبصمة أسلوبية واضحة تتيح للمتلقي تمييز نصّه عن غيره بمجرد ملامسة سماته الشعرية خصوصاً، والأدبية عموماً.

ويمكن القول، بلا أدنى تردد أو مجاملة، إن الدكتور العمري يمثل حالة استثنائية في المشهد الأدبي المعاصر؛ إذ لم يقتصر دوره على احتضان المواهب والكفاءات وتوجيهها في واحته الأدبية الزاهرة، بل شكّل في ذاته ظاهرة أدبية قائمة بذاتها يمكن اصطلاحها بـ “المدرسة العمرية”، والتي يتجلى تميزها عبر سماتٍ عديدة، نخصّ بالذكر منها هنا ملمحين جوهريين:

أولاهما: اتساق البناء الكلي وتوازنه الهندسي.
وثانيتهما: العزف البارع على أوتار اللغة؛ مبنى ومعنى، لبلوغ آفاق شعرية تتجلى في التلاقي الحميم بين التشكيل التصويري والتوظيف العضوي للمفردة.

أولاً: التوازن البنائي والتقابل الدلالي في قصيدة “قرتي وقراري”

تتجلى هاتان السمتان، وما يتفرع عنهما من خصوصيات فنية، في سائر قصائده، لكننا سنستشهد هنا ابتداءً بقصيدته “قرتي وقراري”.

إن هذا التلاقي الثنائي بين الكلمات (قرتي/قراري) يمثل ظاهرة أسلوبية مطردة لدى شاعرنا، نطالعها كذلك في نتاجه الفكري والنثري؛ مثل ثنائية “القيمة والشيمة”، وفي القصة كما في المفارقة الدرامية بين الكنه والنكهة في قصته “نكهة”، وفي ثنائية “تنظير وتدبير”.

ولا يُقصد بهذا التوظيف ما قد يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى من “الجناس اللفظي” المجرد؛ فهذا صنيعٌ سهل ميسور، وإنما الإشارة هنا إلى ما يتولد عن هذه المقابلات اللغوية من استثارة فكرية تدعو إلى التأمل الدلالي؛ للوصول إلى معانٍ ثرية وأبعاد ممتدة، تماماً كما تضع مرآة في مواجهة مرآة، فلن تحصل منها على صورتين فحسب، بل على أبعاد متضاعفة تولد فيها “الأبعاد من أبعاد” بتعبير نزار قباني.

العناية باللفظ هنا ليست من باب استعراض البراعة والاقتدار, بل هي لجوء واعٍ إلى تشكيل فني لغوي يخدم جوهر الغرض الدلالي ويحققه.

يضاف إلى ذلك المفارقة المعنوية، والتي تتحقق بالجمع بين كلمتين مختلفتين في اللفظ يقف الخيال بينهما في قَرَنٍ واحد؛ ليتحقق التوازن المنشود بين المعنى والمبنى. وسنتناول هاتين السمتين متضافرتين كما جاءتا في نسيج القصيدة:

1. اتساق الاستهلال والمفارقة المفهومية

لا رَيْبَ أَنَّكِ مِنْ نَعِيمِ البَارِي = وَبِأَنَّكِ Mالقَسُومُ مِنْ أَقْدَارِي

هنا يقرن الشاعر “النعيم” بـ “المقسوم”؛ ليجمع بين كلمتين تنتميان في الأصل إلى حقلين دلاليين متغايرين، لكنهما تتآزران في سياق تجربة إنسانية متميزة تجمع بين فضيلتين: شكر النعمة، والرضا بالمقدور، في اتساق جمالي واضح. (على أننا من وجهة نظر نقدية، لم نحبذ استهلال القصيدة بعبارة “لا ريب”؛ إذ نراها نافرة عن روح الشعر الشفيفة التي تجلت في القصيدة كلها).

2. التلميح الذكي ورسم الشخصية

وَبِأَنَّ عَيْنَيكِ ابْتِسَامَةُ خَاطِرِي = وَحَدِيثَهُنَّ مَوَاسِمُ الأَزْهَارِ

يجمع البيت بين “الابتسامة” و”الحديث”؛ لأن بهما معاً تكتمل أبعاد الصورة الإيجابية، بخلاف ما لو اكتفى بأحدهما. ومن اللمسات البديعة أنه لم يضف الحديث إلى ذات المحبوبة مباشرة، بل إلى روحها وعينيها مستخدماً (نون النسوة) في “حديثهنّ”، فكأن العينين استحالتا شخوصاً حية تموج بالحركة داخل النص.

3. التشكيل المشهدي والتشبيه المقلوب

على مستوى التشكيل الفني، نلمس تضافر عناصر الطبيعة مع سمات المحبوبة لرسم صورة شعرية مشهدية، يتم فيها تبادل الأدوار فيما يُعرف في البلاغة بـ “التشبيه المقلوب” تحقيقاً لعنصر الإدهاش:

البَدْرُ يَعْرِفُ فِيكِ رِقَّةَ فَجْرِهِ = وَالفَجْرُ مِنْكِ الطُّهُرَ فِي الأَبْكَارِ

وَالدَّهْرُ لا عَينٌ تَغضُّ وَلا فَمٌ = يَحْكِي وَلا أُذُنٌ لِغَيرِ السَّارِي

وَقَفَ الوُجُودُ عَلَيكِ وَالْتَزَمَ الهَوَى = يَرْنُو إِلَيكِ بِنَظْرَةِ اسْتِعْبَارِ

يَرْنُو إِلَيكِ فَأَنْتِ كُلُّ مَسَالِكِي = وَمَدَائِنِي وَمَرَافِئِي وَبِحَارِي

فالبدر هو من يقتبس من المحبوبة رقة فجره، ولا تقف الصورة عند هذا الحد بل تنمو تصاعدياً لتجعل الفجر يستمد طهره منها، بل إن الدهر والوجود بأسره يشاركان في هذا المشهد المهيب، حتى نصل إلى ذروة الحلول السياقي حيث تتماهى المحبوبة لتصبح هي كل المسالك، والمدائن، والمرافئ، والبحار التي يضيفها الشاعر إلى ذاته.

4. هندسة التقابلات الثنائية

تأمل كيف يرتفع التوازن البنائي في الأبيات عبر تقابلات هندسية دقيقة:

بين النور والنار: للجمع بين إشراق الطيف في العين، ولوعة الشوق في الحشا:

وَأَقَامَ حَيثُ الطَّيْفُ نُورُ مُتَيَّمٍ = يَسْرِي وَحَيثُ حَشَايَ شُعْلَةُ نَارِ

بين الليل والنهار: للمزج بين غفو الحلم وإفاقة اليقظة:

يَغْفُو عَلَى كَفَّيكِ لَيلِي Hَانِئَاً = وَيفِيقُ فِي شَوقٍ إِلَيكِ نَهَارِ

بين الرؤى وشوارد الأفكار: لالتقاء الرؤى الجلية بالخواطر الهائمة:

وَتُقِيمُ عِنْدَ حُدُودِ عَالَمِكِ الرُّؤَى = وَتَهِيمُ فِيكِ شَوَارِدُ الأَفْكَارِ

بين حصن الأمان ونبع الحنان: حيث الأول تلبية لحاجة الجسد والواقع، والثاني إرواء لضرورة الروح:

يَا أَنْتِ يَا حِضْنَ الأَمَانِ لِغُرْبَتِي = وَلِمُهْجَتِي نَبْعُ الحَنَانِ الجَارِي

بل إن الشاعر يوازن بدقة حتى بين سخط مفترض ورضا متحقق:

وَفَقَأْتِ عَينَ السُّخْطِ لا عَيْبَاً أَرَى = وَفَتَحْتِ عَينَاً لِلرِّضَا فِي الدَّارِ

(وإن كنا من الناحية الجمالية نفضل لو اختار الشاعر فعلاً غير “فقأتِ”؛ لما فيه من خشونة قد تخدش سياق الرقة والجمال المهيمن على القصيدة، رغم وضوح المقصد البلاغي).

ومن طرائف هذا التوازن، تلك المقابلة الحميمة بين الإطعام والسقي، وتوظيف مفردات الحياة المألوفة لتتسق مع تجربة البوح:

أَطْعَمْتِ حَتَّى سَالَ شَهْدُ مَحَبَّتِي = وَسَقَيتِ حَتَّى غَرَّدَتْ أَطْيَارِي

ثم التوازن العذب بين همس الهوى وأنس الحديث:

وَمَنَحْتِ عَذْبَ الهَمْسِ مِنْ كَأْسِ الهَوَى = وَصَدَحْتِ لَحْنَ الأُنْسِ مِنْ قِيثَارِي

لقد نجحت هذه المقابلات نجاحاً باهراً في تصوير ثراء التجربة وحركتها الداخلية والخارجية، لتخرج كأثر إنساني حي يموج بالحيوية.

ثانياً: تجاوز الذات إلى الكلي في قصيدة “لوعة البين”

من نماذج التوازن البنائي العالية التي تزاوج بين جمالية الشعر ودقة الفكر، ما قاله في قصيدته النونية “لوعة البين”؛ حيث تجاوز فيها فكرة “التأسي” التقليدية المحصورة في حدود المعارضات الشعرية إلى آفاق أرحب، ناقلاً القصيدة من تجربة حب ذاتية مجردة إلى فضاء جماعي رحب، نكتشفه حين يفصح الشاعر في النهاية عن اسم المحبوبة:

حَبِيْبَـةٌ بِالحَنبنِ العَذْبِ تَسْكُنُنِـي = وَفِـي الشِّغَـافِ أَنَادِيْهَـا فِلِسْطِيْنَـا

وفي هذه القصيدة، نلحظ توازناً درامياً بين الأمل المكتوب والأمل المكذوب:

فَصِرْتِ لِلأَلَمِ المَكْتُوْبِ مُدْمِنَةً = وَصِرْتِ بِالأَمَلِ المَكْذُوْبِ تُغْرِيْنَا

ليتحقق التوازن بين الإحساس الصادق بالألم المرير، وبين الأمل الذي -رغم كونه مكذوباً في سياقه- يمد المتلقي بقيمة التطلع والتحقق. ثم يعود الشاعر ليصيغ هذا الأمل صياغة فكرية حكيمة:

مَنْ عَاَش فِي أَمَلٍ عَاشَتْ مُشَعْشِعَـةً = فِيْهِ الحَيَاةُ وَأَوْفَـى العَهْـدَ وَالدِّيْنَـا

وَمَنْ تَمَطَّى عَلَى خَرْجِ القُنُوْطِ قَضَى = وَأَصْبَحَ التِّبْرُ فِـي أَحْزَانِـهِ طِيْنَـا

وهذا دلالة واضحة على أن الشاعر يتجاوز عتبات البكاء والجرح الذاتي إلى استنهاض الأمل الحي الإيجابي.

ثالثاً: الجمع بين التشكيل التصويري والتوظيف العضوي للرمز

1. مشهد الطوفان في قصيدة “فلك نوح”

برز ملمح الجمع بين التشكيل والتوظيف ببراعة فائقة من خلال مشهد الطوفان الرمزي في قصيدة “فلك نوح”؛ إذ جاء الرمز متسقاً مع البداية الشبيهة بالطوفان، وممهداً لرجاء الشاعر بالانتصار على الظلم، وكأنه استحضار ضمني موازٍ للآية الكريمة: {فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ}.

لقد نهض الرمز هنا بوظيفته البنائية والدلالية كاملة، ولم يأتِ مجرد حِلية جمالية خارجية. وجاء المشهد ثرياً عبر تعدد طبقات الصوت:

صوت الشدة والرهبة الجليلة: كما في قوله:
صَفِّقِي يا روحُ
ثُوري
وازأرِي كالليثِ فِي الغاباتِ

حيث تحمل الأفعال (صفقي، ثوري، ازأري) ظلالاً من الجلال والرهبة.

صوت الرقة والجمال: إذ ينحو المشهد سريعاً نحو العذوبة:
كالأطيارِ
تشدُو الحبَّ في دوحٍ صدوحْ

وكما تعددت طبقات الصوت، تراوحت الحركة كذلك بين التحليق الخارجي في الأفق مع الأفلاك والأطياف، والتحليق الداخلي في أعماق الذات مع مشاعر العز والإيمان. يضاف إلى ذلك تلك المفارقة بين ضجيج ليل الواقع وارتقاب إشراق شمس الأمل، مدعومة برموز فرعية تتصارع في نسيج النص (أعاصير وريح / طوفان الحشا / خيل جموح في المهجة)، مما جعل المشهد حياً متدفقاً.

2. التشكيل بالانزياح النحوي

من مواطن الدهشة الفنية في القصيدة، ما يمكن تسميته بـ “القلب النحوي البلاغي” في قوله:
قدْ ملَّتِ النفسَ الْجروحْ
حيث جعل الشاعر “الجروح” فاعلاً مؤخراً مرفوعاً، و”النفس” مفعولاً به مقدماً منصوباً، فصارت الجروح هي التي تملّ النفس، بينما الأصل السائد أن النفس هي التي تمل الجروح. هذا التبادل الماهر للوظائف النحوية خلق صورة إبداعية مبتكرة تُعبر عن المبالغة الشعورية والتمكن الفني، وهو صنيع يلتقي في دلالته الإبداعية مع “التشبيه المقلوب” المذكور سابقاً.

3. التوظيف الدرامي للتناص في قصيدة “يا مصر”

ومن النماذج المشرقة للتصوير عبر التوظيف العضوي، قوله في قصيدته “يا مصر”:

يَا مِصْرُ إِنِّـي أَنَـا يَعْقُـوبُ لَهْفَتُـهُ = لِرِيحِ يُوسُفَ قَدْ أَذْكَـى الحُشَاشَـاتِ

أَلْقِي القَمِيصَ فَفِي عَيْنَـيَّ مِـنْ وَلَـهٍ = هَالاتُ نُورٍ وَفِـي القَلْـبِ ابْتِهَالاتِـي

هنا يستدعي الشاعر الرمز الديني والتاريخي (قصة يوسف ويعقوب عليهما السلام) توظيفاً درامياً نامياً؛ ليعبر من خلاله عن ذروة الشوق ولهفة الانتظار، مستعيضاً بالرمز عن التقريرية المباشرة.

خاتمة

ليست هذه القراءة إلا إطلالة أولى مقتضبة على شاطئ هذا البحر الخضم، أرجو أن تتبعها قراءات وإطلالات أكثر عمقاً وإحاطة؛ تليق بالمنجز الشعري الكبير لشاعرنا د. سمير العمري، وبلطائف إبداعات شواعر وأدباء وأديبات “الواحة الثقافية” الأجلاء.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى