أدبلغةنقد

تجدُّدُ موسيقا الشِّعْرِ العربيِّ الحديث

تجدُّدُ موسيقا الشِّعْرِ العربيِّ الحديث: بين التفعيلة والإيقاع

“ولم يَقصرِ اللهُ العلمَ، والشعرَ، والبلاغةَ على زمنٍ دون زمنٍ، ولا خصَّ به قوماً دون قومٍ. بل جعل ذلك مشتركاً مقسوماً بين عباده في كل دهْرٍ، وجعل كل قديم حديثاً في عصره”.

ابن قتيبة: الشعر والشعراء

تمهيد

يهدف هذا البحث الفحصي في تجدد موسيقى الشعر العربي الحديث إلى تحقيق غايتين رئيسيتين:

  • أولاهما: محاولة الوقوف على أثر هذه الموسيقا في تطوير الشعر، وتجدد أشكاله وتعدد صوره؛ وذلك في منحيين:

    • منحى إيجابي (بتحققها): كما يتجلى في الموشحات، والمخمسات، والرباعيات، والمواويل، والمزدوجات، وصولاً إلى الشعر الحر (التفعيلة).

    • منحى سلبي (بغيابها): كما هو الحال في قصيدة النثر (الإيقاع).

  • ثانيتهما: الكشف عن فاعلية هذه الموسيقا في بناء القصيدة، وتشكيلها تشكيلاً فنياً خاصاً، بما يجعل من الموسيقا مدخلاً جوهرياً للولوج إلى فهم البنية والدلالة.

ولأجل هذا، لم يقتصر البحث على رصد صور التجديد وظواهره فحسب، بل عُني بالكشف عن أسباب لجوء الشاعر إلى إيثار صورة موسيقية ما للتعبير عن تجربته، كما يتبدى في ما اصطلحتُ عليه بـ “ظاهرة الالتفات العروضي”؛ ونعني بها أن يبدأ الشاعر بنمط من أنماط الشعر أو بحر من البحور، ثم يتحول إلى غيره لدلالة شعورية مقصودة.

مفهوم “الحديث” وسياقات التجديد

إن وصف شعرٍ ما بأنه “حديث” هو وصف زمني مجرد لا يحمل في طياته حكماً تقويمياً؛ فربّ حديثٍ أفضل من قديم، وربّ نتاج وُصف في وقته بالحديث ثم دارت عليه الأيام ليُصنف في عِداد الانحطاط؛ فالشعر الذي كُتب إبان عصور الانحطاط الأدبي كان في وقته حديثاً!

ولهذا تصدّرت البحثَ كلمة ابن قتيبة المنصفة:

“ولم يَقصرِ اللهُ العلمَ، والشعرَ، والبلاغةَ على زمنٍ دون زمن، ولا خصَّ بها قوماً دون قومٍ. بل جعل ذلك مشترَكاً مقسوماً بين عباده في كل دهر، وجعل كل قديمٍ حديثاً في عصره”.

أما المراد بـ “الحديث” في هذا المقام، فهو الدلالة على محاولات التجديد في الموسيقا الشعرية قبيل النصف الثاني من القرن العشرين الميلادي؛ حيث بدأ التجديد في القصيدة الحديثة يتجاوز المعاني والصور والأفكار إلى تجارب بنيوية تتصل بالتشكيل الموسيقي، فظهرت محاولات الشعر المرسل، والشعر المنطلق، والشعر الحر، والشعر المنثور، وصولاً إلى قصيدة النثر أو قصيدة الإيقاع.

وقد تمثلت أبرز اتجاهات التجديد ومدارسه الفاعلة في عصرنا الحديث في:

  1. مدرسة الإحياء.

  2. جماعة الديوان.

  3. جماعة أبولو.

  4. مدرسة المهجر.

  5. جماعة مجلة “شعر”.

ماهية الموسيقا الشعرية: الوزن والإيقاع

تتحدد موسيقا الشعر بصفتها عنصراً حيوياً من عناصر البناء الفني، تتضافر مع سائر الأدوات لتشكيل النص الفني وكشف أسراره البنائية. ومن خلال فحص مصطلحات الموسيقا، والوزن، والإيقاع، تتبلور المعادلة البنائية التالية:

$$ \text{الموسيقا الشعرية} = \text{الوزن} + \text{الإيقاع} $$

فالوزن وحده لا يتجاوز حدود “النظم”، وهو إذا خلا من الروح الإيقاعية وقع في التنافر والآلية. وفي المقابل، فإن الإيقاع وحده لا يحقق الموسيقا الشعرية كاملة بل هو عنصر متمم لها، يحقق الانسجام المشترك بين الشعر والنثر؛ فالإيقاع خصيصة من خصائص الكلمة الفصيحة بصفة عامة، كما يذكر ابن أبي الإصبع في تعريفه للانسجام:

“وهو أن يأتي الكلام متحدراً كتحدر الماء المنسجم، سهولة سبك وعذوبة ألفاظ، حتى يكون للجملة من المنثور والبيت من الموزون وقع في النفوس وتأثير في القلوب ما ليس لغيره”. (تحرير التحبير: 480)

التفعيلة كمرتكز عروضي وموقف النقد

إن مناقشة بدائل التفعيلة في تصوير الوزن جاءت في إطار علم العروض، أي في سياق تصوير أوزان القصيدة العربية الأصيلة، ولم تكن على مستوى مصادرة حرية الإبداع؛ فالمبدع له كامل الحرية في اختيار ما يناسب رؤاه وتجاربه. ومن هنا، فإن الحوار في هذا البحث ليس موجهاً ضد المبدعين، بل هو نقاش منهجي مع علماء الموسيقا الشعرية من جهة، ونقاد قصيدة النثر المنافحين عنها من جهة أخرى.

ويستند ترجيحنا لاتخاذ “التفعيلة” أساساً لتصوير الوزن العروضي إلى أسباب موضوعية:

  • الاتساق البنيوي: توافُق التفعيلة التام مع طبيعة اللغة العربية بصفتها لغة اشتقاقية.

  • الدقة والموضوعية: انضباط التفعيلة عالمياً، فلا يختلف اثنان في التعبير عن صورة الوزن إذا لجأا إليها، بينما يتسع الخلاف وتتعدد الآراء إذا اتُخذت بدائل أخرى كالنبر أو المقاطع الصوتية المجردة.

ولا يعني هذا الترجيح نفي الوسائل الصوتية الأخرى، بل نرى أهمية الاستئناس بها كأدوات مساعدة للتفعيلة لا بديلة عنها، للكشف عن لطائف الموسيقا الشعرية. كما أن نقدنا لبعض مقولات نقاد القصيدة الجديدة لا يعني رفضاً لها، بل هو مراجعة تهدف إلى تحرير المفاهيم النظرية، وفي مقدمتها “مبدأ التعويض” الذي اتكأ عليه نقاد قصيدة النثر (الإيقاع) كثيراً لتبرير غياب الوزن.

أنماط المشهد الشعري المعاصر

أفرزت المدارس التجديدية أنماطاً شعرية متعددة، صمد منها في المشهد الإبداعي الراهن ثلاثة أنماط رئيسية، لكل منها مبدعوها ونقادها:

أولاً: الشعر الأصيل

وهو النمط المحافظ على الهيكل الموسيقي للقصيدة العربية القديمة، مع التجديد الواعي في إطارها عبر ابتكار صور شعرية حديثة والتنويع في نظم التقفية. وقد أطلقت عليه بعض الدراسات تسميات غير منهجية نرى عدم دقتها:

  • الشعر التقليدي: تسمية قاصرة توحي بالانتقاص وحصر النص في خانة المحاكاة، في حين أن كل نمط يبدأ جديداً ثم يؤول شكلياً إلى التقاليد.

  • الشعر الخليلي: تسمية غير دقيقة؛ لأن هذا الشعر وجد واستقام قبل الخليل كما قال الشاعر القديم: “قد كان شعر الورى صحيحاً من قبل أن يُخلق الخليلُ”، فضلاً عن أن العلماء زادوا على الخليل بحر المتدارك وصوراً عروضية مبتكرة، مما يثبت أن العروض علم مرن قابل للتطوير.

  • الشعر العمودي: تسمية التبست على أصحابها؛ إذ ظنوا أن العمود يرتبط بالشكل الهيكلي العروضي، بينما “عمود الشعر” في حقيقته البلاغية مرتبط بجوهر اللفظ والمعنى والتحام البناء.

  • شعر الشطرين: تسمية غير جامعة؛ لأن من هذا الشعر ما يُبنى على شطر واحد كالمشطور والمنهوك.

  • شعر البيت: تسمية مقبولة إذا أُريد بالبيت الوحدة الموسيقية الكاشفة عن خصائص القصيدة، أما إذا أُريد به تفكيك القصيدة إلى وحدات مستقلة فالمفهوم مردود؛ فالقصيدة العربية القديمة بنية موحدة متماسكة، وكما يعبر عبد القاهر الجرجاني:

    “ولكن البيت إذا قطع عن القطعة كان كالكعاب تفرد عن الأتراب، فيظهر فيها ذل الاغتراب”. (أسرار البلاغة: 206)

التسمية بـ “الأصيل” إنما تصف الجذور والبنية الأساسية، وليس فيها تقليل من شأن الأشكال المبتكرة التي تفرعت عنه دون أن يلغي أحدهما الآخر.

ثانياً: الشعر الحر (شعر التفعيلة)

شاع مصطلح “الشعر الحر” برغم ما فيه من خروج عن الدقة؛ إذ عرّضه لاتهامات الخصوم بأنه شعر “سائب” ومتحرر من القوانين، مما دفع شاعراً كصلاح عبد الصبور إلى دفع التهمة قسماً بقوله: “موزون والله العظيم”. وقد استقر الدرس النقدي الحديث على تسميته بـ “شعر التفعيلة”، والذي وُفّق توفيقاً ظاهراً في تفجير الطاقات الموسيقية التراثية الكامنة وصياغتها في قوالب موحية ومؤثرة.

ثالثاً: قصيدة النثر (قصيدة الإيقاع)

توقف الكثير من الرافضين لهذا النمط عند التناقض اللفظي الظاهري للمصطلح، والدعوة هنا قائمة لتجاوز هذا الجدل الشكلي؛ إذ يمكن تصنيفه من باب تقييد الشيء بجنسه (كاصطلاح النحاة لـ “اسم الفعل”). وحتى لو سُلّم بعدم دقة المصطلح، فإن مصطلح “الشعر الحر” عانى من عدم الدقة ومع ذلك حقق مشروعيته بنجاحه.

وقد اقترح بعض الدارسين مصطلحات بديلة:

  • النثيرة (وتجمع على نثائر): وهو المصطلح الأقرب اشتقاقاً ودلالة.

  • تسميات مرفوضة: مثل (النسيقة، العصيدة) لبعدها الدلالي، ومصطلح (النثعيرة) الذي يأباه الاشتقاق ويمجه الذوق الأدبي، وكذلك وصف عز الدين المناصرة لها بـ (القصيدة الخنثى) وهو وصف يفتقر إلى الموضوعية النقدية.

وقد آثرنا استخدام مصطلح “قصيدة الإيقاع” في مقابل “قصيدة التفعيلة” على فرضية لجوء هذا النمط إلى الإيقاع الداخلي كبديل للتفعيلة الفائتة. والإيقاع يختلف عن الموسيقا الشاملة؛ فهو جزء من كل، وتحققه في النثر أمر طبيعي لا يعد تعويضاً كاملاً عن الموسيقا الشعرية الغائبة بمفهومها المنضبط.

عوائق التقنين الإيقاعي وأفق الحوار

لقد نجح الخليل بن أحمد في رصد موسيقا الشعر العربي، ونجح ابن سناء الملك في كشف قوانين الموشحات، واهتدت نازك الملائكة إلى تقنين شعر التفعيلة؛ فلماذا يعجز النقد الحديث عن وضع تقنين حاسم لإيقاعات قصيدة النثر؟

إن مهمة المكتشف المنتظر هنا تبدو في غاية الصعوبة -إن لم تكن مستحيلة- لسبب جوهري: أن المحاولات السابقة تعاملت مع قوالب ذات مرجعية موسيقية منضبطة وإن تنوعت، أما قصيدة النثر فما تزال تبحث عن إيقاعها المرتجى وتعتمد على الفردية المطلقة، مما يضطر نقادها إلى تكلف القول في إيجاد بدائل نظرية غير مجدية عروضياً.

إن هذا الحوار النقدي ليس موثقاً ضد شعراء قصيدة النثر؛ فالمبدع سيد محترفه وله اختيار ما يلائم رؤيته، وإنما يوجه الحوار نحو فئة من النقاد الذين يفتعلون خصومة حربية وثورية بين الأنماط (كما يتبدى في خطاب الناقد صلاح فضل)، في حين أن هذه الخصومة غائبة في أذهان المبدعين أنفسهم؛ فهناك من يجمع بين النمطين كنزيه أبو عفش، وهناك من يعود إلى النبع الأصيل كالشاعر عماد الغزالي في ديوانه “لا تجرح الأبيض”.

خاتمة

إن هذه الشجون التي تثيرها حركة موسيقا الشعر العربي وتجلياتها -حضوراً وغياباً- هي دعوة صريحة لنبذ التعصب النقدي، وتأصيل قيم التعايش الإيجابي بين الأنماط الثلاثة في المشهد الإبداعي المعاصر.

وكما أن شعر التفعيلة لم يلغِ الشعر الأصيل بل تعايشا تعايشاً أثرى التجربتين معاً، فإنه لن يضيرهما أن تأخذ قصيدة النثر مكانها المكتسب في المشهد، بل لا ضير على الثلاثة جميعاً إن أسفر المستقبل عن شكل تعبيري رابع؛ فالإبداع الإنساني متجدد بطبعه، وقصيدة النثر -قطعاً- ليست نهاية التاريخ الأدبي.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى