المضمون العَلماني في الاتجاه التنويري.. المشروعية السياسية (ج1)

ذكرنا في المقال السابق أن المحدد الذي على أساسه نفصل بين التنوير الإسلامي وبين مذاهب الفقهاء السائغة، أن رجال هذا التيار قاموا بعملية مواءمة وتوفيق بين مفاهيم التنوير الغربي العلماني وبين نصوص الوحي والشريعة، وأنهم في عملية التوفيق هذه أضاعوا قطعيات من الشريعة وخالفوها؛ إما بقبول باطل، وإما برد حق، فكانت مخالفة القطعي، بقبول ما هو باطل من المفاهيم الغربية، أو برد ما هو ثابت قطعي من الدين؛ هي الموجب لتصنيفهم على الصورة السابق ذكرها.
والواقع أن العامل الأساسي الذي يُخرج عملية التوفيق هذه عن مسارها الصحيح ويؤدي إلى تضييع القطعيات، هو قبول الباطل، وهو الذي يؤدي بعد ذلك إلى رد الحق، وأكثر هذا الباطل الذي يتورّطون في قبوله يكون مُحملاً بمضامين علمانية لا ينتبهون إليها، ما يؤدي لاستحالة التوفيق بينه وبين الوحي الصحيح إلا بتضييع شيء من الدين الحق، فاستبطان مضامين علمانية بصورة لا شعورية هو أساس الضلالة في التنوير الإسلامي.
وسنفرد لهذه المضامين العلمانية عدداً من المقالات تُجليها على النحو الذي يُرشد للحق ويُضِلُ عن الباطل، ويهتدي به إخواننا التنويريون إن شاء الله. وحديثنا في هذه المقالة هو عن الشرعية السياسية في التنوير الغربي العلماني، وطريقة استقبال التنوير الإسلامي لها، والمضمون العلماني الكامن خلف طرح التنوير الإسلامي لمفهوم الشرعية، وقطعيات الوحي التي أهدرها الطرح التنويري.
(1) مفهوم الشرعية السياسية في التنوير العلماني
يُعد فكر الأنوار فكراً إنسياً بامتياز؛ أي أنه يقوم على مركزية الإنسان في الكون كمقابل للمركزيات اللاهوتية السابقة عليه، وهذا الأفق القيمي الإنساني هو الذي تشكلت فيه المـُثل السياسية التنويرية؛ فالأفكار السياسية التي تنشأ في عصر معين تتصل بشكل وثيق بمنظومة الأفكار العامة التي تسيطر على هذا العصر، وهو ما عبر عنه هنري ميشيل أستاذ كرسي الأفكار السياسية في السوربون بقوله: «إن الإنسان لا يُكَوّن عن العلاقات التي يجب أن توجد في الدولة فكرة مستقلة عن تلك التي يتبناها حول الحياة الأخلاقية، وحول معنى الكون وهدفه»[1].
من هنا كانت مكونات الشرعية السياسية، والتي يُقصد بها القيم التي يمكنها أن تُضفي طابعاً شرعياً على طاعة الحكام وتُرسي أُسس الإلزام السياسي؛ مستمدة كلها من هذا الفضاء الإنسي، بحيث لا تبقى الدولة في خدمة المشيئة الإلهية كما كانت في العصور الوسطى، وإنما ليُصبح هدفها العمل على تحقيق رفاه مواطنيها.
يقول جون لوك: «الدولة – حسب ما أعتقد – هي جماعة من الناس تكونت من أجل هدف واحد هو تحقيق مصالحهم المدنية والحفاظ عليها والارتقاء بها إلى الأحسن. وأقصد بالمصالح المدنية الحياة والحرية وصحة الجسم وامتلاك الخيرات الخارجية مثل المال والأراضي والمنازل والأثاث وما شابه ذلك»[2].
وعليه، فلا يخضع أولئك المواطنون لأي وصاية خارجة عن إراداتهم، ولا ينقادون طوعاً إلا إلى القوانين والقيم والقواعد التي يرغبون هم بالذات فيها، وبهذا صار الشعب هو مصدر الشرعية السياسية، وصارت السلطة العليا التي تُكسب الشرعية وتنزعها هي الإرادة العامة فيما عُرف بمبدأ السيادة.
إن أساس الفكر السياسي في التنوير الغربي العلماني كما يقول تودوروف هو «التخلي عن الله بقيام دول حديثة على أسس بشرية خالصة»[3].
وقد أنتج جعل الإنسان، مُمَثلاً في الإرادة الشعبية العامة، القيمة الرئيسية التي تستمد منها السلطة السياسية شرعيتها؛ نتيجتين:
الأولى: أن كل سلطة لم يخترها الشعب ولم يرضها فهي سلطة غير شرعية، ولا طاعة لها في ذمة الشعب.
الثانية: أنه وفقط: «وحدها القوانين الصادرة عن الإرادة التشريعية للشعب من تستحق تسمية القوانين.. والقوانين لا تستمد شرعيتها من سلطة متعالية تضفي عليها طابع القداسة»[4].
يقول جون لوك في «الرسالة الثانية حول الحكم المدني»: «الشعب وحده هو الذي يحق له تحديد مكونات الدولة عن طريق تشكيل السلطة التشريعية واختيار من ستكون هذه السلطة بين أيديهم، وعندما يقول الشعب: (سوف نخضع للقواعد وللحكم بموجب قوانين يضعها رجال كهؤلاء وبصيغ كهذه)؛ فإنه لا يحق لأحد آخر القول بأنه يمكن لأشخاص آخرين وضع قوانين للشعب؛ كما أن الشعب ليس ملزماً بأي قوانين عدا تلك التي وضعها أولئك الرجال الذين انتخبهم الناس وفوضوا سن القوانين لهم».
وترتب على هذا أمران:
1- أن أي إلزام يأتي به الوحي أو الكتاب المقدس لا يكتسب صفة القانونية إلا إذا اختاره الناس ليكون قانوناً.
يقول توماس هوبز: «إنَّ الكتابَ المقدسَ لا يصبحُ قانوناً إلَّا إذا جعلَتْهُ السُّلطةُ المدنيَّةُ الشرعيَّةُ كذلِكَ»[5].
ويقول اسبينوزا: «إنَّ الدينَ لا تكونُ لَهُ قوةُ القانونِ إلَّا بإرادةِ مَنْ لَهُ الحقُّ في الحكمِ»[6].
ويقول جون لوك: «هذه السلطة التشريعية لا يمكن لأي مرسوم صادر عن أي جهة أخرى مهما كانت صبغته، ومهما كانت القوة التي تدعمه؛ أن تكون له قوة القانون وإلزامه إذا لم يكن مُصادقاً عليه من تلك السلطة التشريعية التي انتخبها وعينها الشعب؛ لأنه دون ذلك، فلا يمكن أن يحوي القانون ما هو ضروري بصفة مطلقة لجعله قانوناً.. ومن ثم فإن كل طاعة يمكن إلزام أي إنسان بها بأكثر الروابط احتراماً تنتهي عند هذه السلطة الرفيعة وتتوجه وفق القوانين التي تسنها».
2- أن إقامة السلطة لقانون لم يختره الناس تُعد استبداداً.
يقول كانط: «الحكومة الاستبدادية هي التي ينفذ فيها رئيس الدولة تعسفياً القوانين التي وضعها على مقاسه، ويحل بذلك إرادته الخاصة محل الإرادة العامة».
(2) مفهوم الشرعية السياسية في التنوير الإسلامي
تأثّر كثير من رجال تيار التنوير الإسلامي بمفهوم الشرعية السياسية العلماني هذا تأثراً عظيماً أفضى بهم إلى تضييع محكمات وثوابت من الدين، وأدى إلى أن يكون كلامهم الذي حاولوا به التوفيق بين الوحي وبين النظرية التنويرية في الشرعية السياسية؛ مستبطِناً لمادة علمانية فاسدة من حيث لا يشعرون.
ونبدأ بأن نسوق بعض كلامهم الدال على تأثرهم بالمفهوم التنويري الغربي للشرعية السياسية:
يقول راشد الغنوشي معرفاً الديمقراطية كما يرضاها: «هي جملة من التسويات والترتيبات الحسنة التي تتوافق عليها النخب المختلفة؛ من أجل إدارة الشأن العام بشكل توافقي بعيداً عن القهر وعلى أساس المساواة في المواطنة حقوقاً وواجبات، على اعتبار أن الوطن مملوك لكل سكانه بالتساوي، مع التسليم بسلطة الرأي العام مصدراً لشرعية السلطة، وذلك بصرف النظر عن نوع العقائد السائدة»[7].
يقول أحمد الريسوني: «ولاية الحاكم وسلطته إنما تأتي وتستمد شرعيتها من توكيل الأمة وتفويضها»[8].
«الأمة هي مصدر السلطات جميعاً، وهي مانحة الشرعية وسالبتها عند الضرورة»[9].
يقول محمد الشنقيطي: «فلن تقام أحكام الشريعة إلا إذا احتضنتها الغالبية من أبناء الشعب، وأصبحت تعبيراً إجرائياً عن إرادة أمة حرة يلتزم بها جميع السياسيين طوعاً وكرهاً، كما هو شأن الأحكام الدستورية والقانونية في دول الغرب اليوم».
ويقول: «إن بناء الدول على أساس من قانون الفتح والتضامن العرقي (كما كان الحال في الإمبراطورية الرومانية والمغولية)، أو على قانون الفتح وأخوة العقيدة (كما كان حال في الإمبراطورية الإسلامية)؛ لم يعد مناسباً أخلاقياً، ولا ممكناً عملياً؛ فالدولة المعاصرة لا تتأسس على الاشتراك في الدين أو العرق، بل على أساس الجغرافيا.. بل إن العدل والمصلحة يكمنان اليوم في بناء دول ديمقراطية حرة يستوي فيها مواطنوها بغض النظر عن المعتقد والعرق».
ويقول عبد الله المالكي: «والسلطة لا تستمد شرعيتها إلا من إرادة الأمة»[10].
ويقول المالكي في عبارة مقاربة لعبارة هابرماس السابق نقلها: «وليست وظيفة الشعب فلسفة وتنظيراً وتبرير القيم والأفكار كما يتصور بعضهم، إنما وظيفته تنحصر في خلع السلطة والسيادة على تلك القيم والأفكار وتحويلها من مجرد قناعات أخلاقية إلى قوانين دستورية سيادية تطبيقية»[11].
وإذن فما يقرره المالكي يشمل أنه حتى الوحي المقدس من دون اختيار الناس لا يتحول إلى قانون ملزم، وهذا مطابق تماماً لما قرره هوبز واسبينوزا.
تابع ⇐ الجزء الثاني ـ الجزء الثالث
[1] انظر: «تاريخ الفكر السياسي – من المدينة الدولة إلى الدولة القومية» لجان جاك شوفالييه (ص/8).
[2] «رسالة في التسامح» (ص/23).
[3] «روح الأنوار»، تزفيتان تودوروف، (ص/39-40).
[4] العبارة للفيلسوف الألماني الكبير يورجن هابرماس، بواسطة: «الفلسفة السياسية المعاصرة»، (ص/258)، بتصرف يسير.
[5] «اللفياثان» (ص/258).
[6] «رسالة في اللاهوت والسياسة» (ص/422)، وانظر: (ص/424).
[7] «الديمقراطية وحقوق الإنسان في الإسلام»، راشد الغنوشي، (ص/62)، الدار العربية للعلوم.
[8] «فقه الثورة» (ص/21)، نشر: مركز نماء.
[9] «فقه الثورة» (ص/30)، وانظر: (ص/89).
[10] «سيادة الأمة قبل تطبيق الشريعة»، عبد الله المالكي، (ص/12)، الشبكة العربية للأبحاث والنشر.
[11] «سيادة الأمة قبل تطبيق الشريعة»، عبد الله المالكي، (ص/12)، الشبكة العربية للأبحاث والنشر.