فكرمراجعات

قراءة في فكر الدكتور سمير العمري

الفكر الأصالي وفلسفة "أدب المنهج قبل أدب الموضوع"

قراءة في فكر الدكتور سمير العمري

بقلم: د. محمد حسن السمان

عندما قررت الكتابة هذا اليوم في موضوع “الفكر عند الأديب والشاعر الدكتور سمير العمري”، وجدتني أعود بالذاكرة إلى أيام خلت كنت فيها أتذمر مما يجري في عالمنا العربي والإسلامي، أتألم للفوضى والضياع، والعلاقات غير الحميدة، ومنعكسات هذه الحالة على مستقبل الأمة. كنت أتألم وأنا أشهد الابتعاد عن اللغة الأصيلة، والتدهور اللغوي والذوقي عند معظم الناس، كنت وما زلت أشاهد الحيود عن التربية الإسلامية الحقّة والدين القويم؛ فاللغة بالنسبة لي هي مستوى الفرد في المجتمع، ومعيار رقيه وسموّه.

وفي تجربتي الشخصية المتواضعة، قادتني ظروفي أن أعايش بعض المجتمعات؛ فقد عشت في إنجلترا لفترة لا بأس بها، تضمنت فترة الدراسة لتحضير درجتي الماجستير والدكتوراه، تبعتها فترة عمل ليست بالطويلة، كنت خلالها ألمح مستويات الأفراد من خلال لغتهم. كم كنت أتمنى أن أحيي البروفسور “كونر” لأتلقى منه جواب التحية بأسلوبه الراقي الأخاذ، كنت أختلق المناسبات لأجلس معه في حديث لأستمتع بلغته الإنجليزية العالية. ولمست مثل هذا في البروفسور “باجنال”، وهو رجل كيمياء الأكتينيدات (اليورانيوم والثوريوم…) الأبرز في العالم، وإن كنت لا أعده صديقاً وإنما رئيس عمل. ثم صرت أتابع هذه الظاهرة في المجتمع البريطاني، وناقشت السيد بيتر راج بهذا الموضوع، وبيتر كان مع “جورج ميتشل” في المنظمة البريطانية المعادية للصهيونية، وهما حالياً اسمان لامعان في السياسة الأوروبية؛ قال لي “بيتر راج”: إن اللغة السليمة هي الأصالة والمستوى والانتماء. وخلال فترة وجودي في اليونان في جامعة “يانينا”، وعلى الرغم من عدم فهمي الكافي للغة اليونانية، لكني لمست شيئاً مشابهاً عرفته من خلال من كان يشرح لي بنية المجتمع وسلوكياته. ولاحظت شيئاً مماثلاً خلال فترة وجودي في الولايات المتحدة الأمريكية.

إنها نفس الآلية التي نتبعها في مجتمعاتنا العربية للتفريق بين العامة والخاصة: نوعية اللغة المستخدمة عند كل منهما، فالخاصة والنخبة تميل إلى استخدام اللغة الفصيحة والسليمة.

ومن هذه الركيزة بالذات، يبدو أن الدكتور سمير العمري قد وعى هذه الحقيقة وعياً عميقاً تجاوز الأطر اللغوية المجردة، ليمثل في المشهد الفكري العربي المعاصر تياراً فلسفياً مستقلاً، يعيد صياغة العلاقة الجدلية بين الإبداع الفني والمرجعية القيمية والحضارية للأمة. فاللغة عنده مستوى، وأصالة، وانتماء. ومن هذا المنطلق، تتجلى أهم مساهماته الفكرية والنقدية في صياغته لمفهوم «أدب المنهج قبل أدب الموضوع»، وهو الطرح التجديدي الفذ الذي أحدث تمايزاً حاسماً بين رؤيته الفلسفية وبين الأطر التقليدية السائدة للأدب التوجيهي أو الكلاسيكي المألوف؛ حيث يرى العمري أن الأدب لا يكتسب صفته الرسالية أو الأخلاقية بمجرد معالجته لـ “موضوع ديني محض” أو قضايا وعظية وإرشادية مباشرة بشكل جاف، بل إن المحك الحقيقي هو مدى التزام النص بـ “المنهج القيمي والحضاري” في شتى آفاق ومناحي التجربة الإنسانية.

وبناءً على هذا المنظور التأسيسي، يستوعب “الأدب المنهجي” في مدرسته كل ألوان الشعر الوجداني، والسياسي، والاجتماعي، والغزلي العفيف، والفلسفي، طالما أنه يصدر عن رؤية كونيّة منضبطة بالحق والخير والجمال، ليحلق في آفاق الإنسانية الرحبة دون الإخلال بمرجعيته الأخلاقية. ولما كان الشعر العربي، بشكله الفراهيدي، هو الضمان الأقرب والأمتن لتحقيق هذه الأصالة اللغوية والمنهجية، جاء تركيز العمري على هذا اللون من الشعر العربي بشكل عفوّي وبنيوّي في آن واحد، وقد خدمته موهبته الأصيلة في الشعر، فهو قد نظم الشعر موزوناً ومقفى في مرحلة مبكرة من عمره، وتلقى تعليماً كرّس لديه حب اللغة وآدابها، وحفظ القرآن الكريم وأحسن تمثّل آياته البينات، فارتقى في موسوعيته اللغوية، وارتقت ذائقته الإنسانية، وتعمقت أبعاده الروحية.

وقد تجذرت تجربة العمري الحياتية نتيجة للظروف التي مر بها خلال مراحل حياته المختلفة وهجراته الثلاث؛ لقد عانى كثيراً من رؤية الصراعات والنزاعات بين أبناء البلد الواحد، والنزعة الواحدة، والهدف الواحد، فأرجع ذلك إلى عدم تقبل الآخر، وعدم وضوح الرؤية، والأخلاق المستوردة التي تشوش الفرد وتحيد به عن الطريق السوي، وخاصة الأيديولوجيات الغريبة، والسلوكيات التلفازية والسينمائية، وحمى الأنانية والشح والطمع، وضعف الارتباط والانتماء للأرض والعرض والدين، أو قيام ردود الفعل الحّدية وغير المحسوبة حيال التحديات والأزمات والصراعات، والطفيلية السياسية والإدارية، وتفشي الأمراض المجتمعية والنفسية، فأصبح المواطن العربي مريضاً مهزوزاً.

وفي القرآن الكريم: (كما تكونوا يولى عليكم)، وحيث أن الحكام والحكومات لم تأتِ من فراغ أو من مجتمعات أخرى، بل كانت إفرازاً لمجتمعاتنا المريضة؛ فالمجتمع غير السوي يفرز حاكماً أو حكومة غير سوية، وبالتالي فإن الحكومات التي انبثقت عن هذه المجتمعات المريضة كانت حكومات مريضة بكافة أمراض الإنسان. ولكي نصل إلى حكام أسوياء أو حكومات سوية، يلزم أن نقيم في الأرض إنساناً سوياً، ينتج عنه قاعدة اجتماعية سوية، وهذا ما يقودنا تلقائياً إلى فكرة: ضرورة إعادة صياغة الإنسان العربي الذي فقد هويته، واستحوذت عليه أمراض عجيبة غريبة، ليكون إنساناً سوياً صحيحاً، وبالتالي نصل إلى مجتمع صحيح معافى، يفرز في النهاية حكاماً وحكومات سوية صحيحة.

وهكذا جاءت نظرية “إعادة صياغة الإنسان” في فكر الدكتور سمير العمري متطابقة مع فلسفته في “أدب المنهج”؛ فعندما أسس موقع رابطة الواحة الثقافية، هدف من خلال ذلك إلى تحقيق نظريته وفكره، مصراً على الرقي في اللغة، مركزاً على الفكر الأصالي الهادف وعلى الشعر العربي الأصيل بشكله الفراهيدي، معتبراً أن الشعر واللغة الأصيلة المنهجية هما الوسيلة الأسمى لتحقيق هدفه الغائي في بناء الإنسان. وقد نجح الدكتور سمير العمري بجعل موقع الواحة مختلفاً عن بقية المواقع الموجودة على الشبكة العنكبوتية، فقد أصبح منبراً للفكر الحر الوسطي، وليس مجرد موقع لنشر النتاج الأدبي أو موقعاً حوارياً عابراً، بل ملتقى للنخبة من حملة فكر الوسطية من أدباء وشعراء وعلماء ومفكرين، وقد حقق الموقع سمعة طيبة مشهودة باعتراف البعيد قبل القريب.

وبفضل الجهود المشتركة التي تضافرت مع الدكتور سمير العمري من أسماء أعلام يؤمنون بفكرة الرقي بالأدب وفكر إعادة صياغة الإنسان العربي، فقد استقطبت رابطة الواحة الثقافية على مدى عمرها المتواضع عدداً كبيراً من الأدباء والشعراء والعلماء والمفكرين الذين يؤمنون بنفس الفكر والمبادئ؛ البعض منهم يرتاد موقع الرابطة بانتظام أو على فترات متباعدة، في حين أن البعض الآخر عبر إلى مواقع أخرى لينشر فكر إعادة الصياغة. ومن الطبيعي أن تتفاوت وجهات النظر بين الأدباء والمفكرين، ليس في القضايا الاستراتيجية المنهجية، وإنما في القضايا اليومية والإجرائية، فهجر البعض من الواحة إلى ساحات أخرى، ولكن لابد أن نشيد بالمستوى الراقي في التعامل مع الأمور الخلافية، سواء من قبل الدكتور سمير العمري، أو من قبل الإخوة والأخوات من المفكرين والأدباء المهاجرين، والذين تركوا بصمات طيبة في مسيرة الواحة الثقافية.

وهكذا يمكن تلخيص ما تقدم وكأنه نواة نحو نظرية فكرية رائدة، يصوغها الدكتور سمير العمري مع كوكبة ممن أسهموا في بناء صرح الواحة الثقافية منذ البدايات الأولى، عبر مبدأ مهم من مبادئ العمل الفكري القائم على الاختلاف الذي يؤدي إلى حوار فكري إيجابي يفرز في النهاية توافقاً أو تأكيداً على صحة المسار. وترتكز هذه النظرية الشاملة على إعادة بناء الإنسان باستخدام الأدب المنهجي، والشعر الأصيل، والفكر الحواري الوسطي، من أجل إيجاد قاعدة جماهيرية عريضة راقية، يكون عليها المعوّل في نشر أفكار التغيير، للوصول إلى مجتمع سليم صحيح البنية، قويم التفكير؛ مجتمع يقرب في تركيبته من مجتمع المدينة الفاضلة ولكن بشكل عملي تطبيقي، تقوم آلية الوصول إليه على خطوات مدروسة ورؤية موضوعية تنبثق من روح الأمة وقيمها. إن مثل هذا مجتمع لابد أن يفرز حكاماً وحكومات فاضلة، يقوم عليها بناء الدولة القوية الشامخة.


* قدمت هذه القراءة ضمن ندوة قراءات في فكر وأدب الدكتور سمير العمري، في اجتماع أدباء الواحة الثقافية في دولة الكويت، في الاجتماع المخصص لها، من يوم الاثنين الموافق 26/2/2007.

  • الدكتور سلطان الحريري
  • الدكتور مصطفى عراقي
  • الأستاذ مأمون المغازي
  • الأستاذ حسام القاضي
  • الدكتور محمد حسن السمان
اظهر المزيد

اترك رد

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى