أدبنقد

قراءة انطباعية لقصيدة ترتيلة الضوء لأحمد القيسي

بقلم / وجدان الخضور

حين تشدّنا الحروف من قلوبنا وتشجينا، فإن الغوص في أغوارها يكون متعةً لنا؛
ليغدو تلاحقًا لذيذًا نتذوّق فيه رحيق الحرف، ويتذوّق الآخر رحيق القراءة،
فيزهر الحرف فينا ويُثمر هذا الانطباع.

سأضع أمامكم القصيدة، وهي للشاعر الكبير أحمد القيسي بعنوان
«ترتيلة الضوء»، ومن ثم أُردفها بالقراءة الانطباعية.


ترتيلة الضوء

للشاعر أحمد القيسي

وأجُرُّ في المَنْفى صَليبَ مَواجَعي
وَجهي كئيبٌ والمتاهةُ طَلسِمي

ونَديفُ ثَلْجٍ كالفَراشِ تَهافُتاً
وصَليلُ عَظمٍ في هَديلِ حَمائِمِ

لا شَيءَ يَصحَبُني خُطايَ ثَقيلةٌ
مُتَسَلِّقاً جَبلَ المَسارِ الأَبْكمِ

مُتَعثِّرَ الخَطواتِ أرقى مُكرَهاً
والحنظلُ الزُّقّومُ يقطرُ من فَمي

وأجُرُّ خَلفي صُفرَ أوراقٍ ذَوَتْ
ماتَتْ كَأوراقِ الخَريفِ المؤلَمِ

أمْضِيْ كَما البَغْلُ الهَزيلُ تَسَلُّقاً
جَبَلَ الحُتُوفِ إلى قَرارةِ مَشْأَمِ

حَتّى ظِلالي خاصَمَتْني غُربَةً
لا شَمسَ تَبزغُ في مَتاهي الأظْلَمِ

وكأنّها الأضواءُ خَرَّتْ وَحشَةً
وكما الرَّوائعُ عَنْ جِدارِ المَرسَمِ

خاصَمتُ نَفسي لَنْ أُصاحِبَ بُؤْسَها
ووريدُ حُزني قَد تَخَلّى عَنْ دَمِي

لا شيءَ يَصحَبُني لمَقْفَرَةِ الأسَى
ويَلُوذَ حتّى الدَّربُ يهربُ مَقدمي

لا شيءَ عندي في حُطامِ مَتاهَتي
يا ليتَ تَدنُو في الخَيال فَأرتَمي

عَوَّدتَني عَمَّدتَني ففَطَمتَني
فَلِمَنْ أروحُ الآن بَعدكَ مُلهِمي

وعَزَفتُ عَن كُلِّ المَراضِعِ صَبوَةً
مَنْ ذا سَيَقْرأُ في المساء تَمائِمي

من ذا يُهَدهدُني نَشيجَ مَواجِعٍ
من ذا يُخَفِّفُ في البَراحِ تَحَطُّمي

من ذا يُدَندِنُ حُزْنَ شَعرٍ أشعثاً
ويَنِثُّ صَحراءَ الحَنينِ بِمَأْلَمِي

وَحدي أُسافِرُ والخَرائطُ عُتمَةٌ
ضَيَّعتُ بُوصَلَتي وأَبْهَى أنْجُمِي

أذنتُ في ربعِ الخرابِ قصائداً
وسكبتُ في بحرِ الشمالِ ملاحمي

لا أدري عيشٌ أم رصاصةُ رحمةٍ
أجدَى خَلاصاً مِنْ دَوامِ العلقمِ

فَكأنَّ قلبي في الضُّلوعِ جَنازةٌ
أمشي بها وحدي وظلُّكَ مَأتمي


القراءة الانطباعية

يفصح عنوان «ترتيلة الضوء» منذ الوهلة الأولى عمّا يعتمل في غور الروح من اغتراب وفقد.
فالترتيلة، بما تحمله من معنى الإنشاد والابتهال والترديد الشجي، تبدو هنا كأنها استدعاء للضوء الغائب،
أو إنشاد له من قلب العتمة.

أما الضوء فيحيل إلى الكشف والانعتاق والوضوح، في مقابل ما يكتنف القصيدة من متاهة ومنفى وخراب وعتمة.
ومن هنا تنشأ المفارقة بين عنوان يستدعي الضوء ونصّ مثقل بالسواد، وكأن الشاعر ينشد ما افتقده أكثر مما يصف ما يملكه.

المنفى بوصفه اغترابًا داخليًا

يضعنا الشاعر منذ المطلع أمام ذات مثقلة بالمنفى والوجع، فيقول:

وأجرُّ في المنفى صليبَ مَواجعي

فالمنفى هنا لا يبدو انتقالًا من مكان إلى آخر فحسب، وإنما يتجاوز المكان ليغدو منفى داخليًا ووجوديًا،
تتحول فيه الذات إلى كائن مثقل بفقده، يجرّ آلامه كما يُجرّ الصليب.

وتتوالى بعد ذلك صور التيه والانكسار: وجه كئيب، ومتاهة طلسميّة، وخطوات ثقيلة،
وصعود قسري في جبل المسار الأبكم. إننا أمام ذات تُدفع دفعًا في طريق شاق،
فتتعثّر خطواتها وهي تصعد مكرهة، حتى يصبح الطريق ذاته جزءًا من معاناتها.

وتتعمق هذه الحالة عبر صور حسية قاسية، من صليل العظم والحنظل والزقوم
إلى جبل الحتوف، وهي صور تمنح الألم كثافة جسدية؛
فيغدو الحزن حالة ملاصقة للروح، وشيئًا يُسمع ويُذاق ويُحمل ويُنزف.

حين يخاصم الإنسان ظلَّه

ومن أكثر الصور إيحاءً في القصيدة قوله:

حتى ظلالي خاصمتني غربةً

فالظل قرين الجسد ودليل حضوره، وحين تخاصم الذات ظلّها تصبح الغربة أعمق من مجرد ابتعاد مكاني.
إن الشاعر هنا يعبّر عن اغترابه عن ذاته ووجوده؛ إنها لحظة تشظٍّ موجعة،
يصبح فيها الإنسان غريبًا حتى عن صورته التي ترافقه.

ويأتي قوله:

لا شمسَ تبزغ في متاهي الأظلم

ليكرّس حضور العتمة، ثم يعود الضوء في قوله:

وكأنها الأضواء خرّت وحشةً

وهنا يبدو عنوان القصيدة أكثر عمقًا؛ فالضوء الذي تحمله الترتيلة غائب عن عالم النص،
والشاعر لا يراه إلا بوصفه شيئًا سقط وانطفأ، ولذلك تبدو «ترتيلة الضوء»
أشبه باستدعاء للنجاة من قلب الظلام.

من غربة المكان إلى غربة الذات

ثم تنتقل القصيدة من غربة المكان إلى غربة الذات، فيقول:

خاصمتُ نفسي لن أصاحب بؤسها

لكن هذه المحاولة في الانفصال عن البؤس لا تمنح الشاعر خلاصًا؛
إذ سرعان ما يعود إلى سؤال الغائب قائلًا:

فَلِمَنْ أروحُ الآن بعدكَ مُلهِمي

وهنا ينكشف أن الغائب كان مصدرًا للألفة والإلهام والأمان.
ولذلك تتوالى الأسئلة:

من ذا سيقرأ في المساء تمائمي
من ذا يهدّهِدني نشيجَ مَواجعٍ
من ذا يخفف في البراح تحطمي

إن تكرار «من ذا» يكشف اتساع الفراغ الذي خلّفه الغياب؛
فالشاعر هنا يعلن، عبر السؤال المتكرر، استحالة التعويض.

الفطام بوصفه استعارة للفقد

ومن اللافت كذلك انتقال الشاعر إلى صورة الطفل المفطوم حين يقول:

عوّدتني عمّدتني ففطمتني

فالفطام هنا استعارة للفقد؛ لقد اعتاد الشاعر حضور من يخاطبه حتى أصبح غيابه
أشبه بانتزاع مفاجئ من مصدر الأمان. ولهذا تأتي الأسئلة المتلاحقة محمّلة بحاجة عميقة
إلى الاحتواء والمؤانسة.

ضياع البوصلة وانطفاء النجوم

ثم يصل التيه إلى ذروته في:

وحدي أسافر والخرائط عتمةٌ
ضيّعتُ بُوصلتي وأبهى أنجمي

فإذا كانت البوصلة تهدي المسافر، فإن ضياعها يعني فقدان الاتجاه،
أما ضياع «أبهى النجوم» فيوحي بفقدان علامات الهداية والأمل معًا.
وهكذا يصبح السفر هنا سفرًا في المجهول، لا طريق له سوى العتمة.

القلب الذي تحوّل إلى جنازة

وفي ختام القصيدة يبلغ الوجع ذروته:

لا أدري عيشٌ أم رصاصةُ رحمةٍ
أجدى خلاصًا من دوام العلقمِ

فالألم لم يعد احتمالًا عابرًا، وإنما صار سؤالًا وجوديًا بين الاستمرار في العيش
تحت وطأة المرارة وبين الخلاص منها.

ثم تأتي الصورة الأخيرة لتكثّف كل ما سبق:

فكأن قلبي في الضلوع جنازةٌ
أمشي بها وحدي وظلُّكَ مأتمي

إنها خاتمة شديدة الكثافة؛ فالقلب الذي يُفترض أن يكون موطن الحياة والحب يتحول إلى جنازة،
والشاعر بكل هذا الحزن يمشي بها وحده. أما ظلّ الغائب، الذي كان يمكن أن يكون علامة حضور،
فيتحول إلى مأتم، فيكتمل بذلك انقلاب الأشياء: الظل لم يعد رفيقًا، والضوء غائب،
والطريق متاهة، والقلب جنازة.

رحلة الحزن من المنفى إلى المأتم

وهكذا تبدو القصيدة في مجملها رحلةً من المنفى إلى التيه، ومن التيه إلى فقد السند،
ومن فقد السند إلى اغتراب الذات، وصولًا إلى مأتم داخلي لا يملك الشاعر أمامه
سوى استدعاء الضوء الغائب بالترتيل.

ولعل جمال القصيدة يكمن في تلك الصور المتحركة والمتنامية؛ وكأننا نشاهد الأحداث حيّة
ونشعر بكل التفاصيل الحزينة. فالشاعر يجرّ، ويتعثّر، ويرتقي مكرهًا، ويخاصم، ويسافر،
ويضيّع بوصلته، ثم ينتهي به المطاف إلى أن يحمل جنازة قلبه وحيدًا.

إنها حركة نفسية تصاعدية تجعل القارئ يقرأ الحزن الطاعن في عمق السطور،
ويمشي مع الشاعر في دروبه الوعرة حتى يصل معه إلى العتمة الأخيرة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى