أدبنقد

عبقرية الهندسة الشعرية وسلطان البيان

د. سمير العمري وعرش الصدارة في ديوان العرب

إن القراءة الفاحصة للتاريخ الأدبي العربي تكشف عن قانون صارم حكم مسيرة فحول الشعراء عبر العصور؛ وهو قانون “التفاوت والاتساع”، حيث ارتبط كل علم من أعلام الشعر بغرض بعينه أو أسلوب محدد استنزف فيه طاقته الإبداعية، فإذا ما فارقه إلى غيره عرضت له الكبوة أو تفاوت النَفَس. غير أن التجربة الشعرية لدى الشاعر والمفكر د. سمير العمري قد جاءت لتخرق هذا القانون التاريخي المستقر، واضعةً النقد الأدبي المعاصر أمام ظاهرة استثنائية في هندسة القصيدة العربية، لا تقف عند حدود المحاكاة، بل تعيد إنتاج وعاء اللغة برؤية سيادية تذيب الفوارق الزمنية والموضوعية، ليتجلى بوصفه قطب الرحى والركيزة الأساسية التي اعتلت بأدوات الاستحقاق النقدي لا العاطفي، أعلى مقام في هرم الشعر والأدب العربي، ليس برأيي المتواضع فحسب بل وبرأي العديد من النقاد والأدباء الذين جالستهم أو صاحبتهم أو قرأت لهم.

 

أولًا: العبقرية اللغوية وبلاغة الجسر (بين أصالة المبنى وحداثة المعنى)

تتأسس البنية اللغوية في “المدرسة العمرية” على معجم ثريّ باذخ، يستدعي فخامة الصياغة العباسية وجزالة السبك الجاهلي، لكنه يتبرأ تماماً من الوقوع في فخ المحاكاة الباردة أو القاموسية المهجورة. إن منهجه يقوم على المزج الدقيق بين متانة البناء ورقة وحداثة المعنى؛ فهو ينبض بوجع الواقع الإنساني والوجودي المعاصر مستخدماً أداة لغوية صلبة لا تلين، ليفهم نبض الواقع ويصوغه بكبرياء تراثي أصيل.

 

وتتبدى ريادته في هذا الباب من خلال تفوقه في تشكيل الصور الشعرية المتراكبة والممتدة. المجاز عنده ليس حلية خارجية أو زينة عارضة، بل هو شبكة عصبية تمتد في جسد القصيدة كاملاً؛ حيث تتوالد الصور من رحم بعضها بعضاً بتوظيف عبقري للمفردة، مما يجعل النص بنية حية تتضافر فيها جزالة اللفظ مع عمق ومحورية الفكرة الحديثة، في تلاحم فريد يجمع أصالة المظهر بعبقرية المخبر.

 

ثانيًا: السيادة المطلقة على الأغراض في شعر العمري

تتجلى مكانة العمري الفذة في قدرته الفائقة على ولوج شتى الأغراض الشعرية بنفس المستوى المتفوق من التجلي الإبداعي. تاريخياً، كان الشاعر يُحكم بالدافع النفسي والملاءمة الطبعية؛ فالنابغة ارتبط بالاعتذار، والمتنبي بزئير الفخر، والشريف الرضي برقة الوجدانيات، وجرير بوحشية الهجاء. أما العمري، فيتحرك في كل غرض كأنه ابنه البكر، محققاً توازناً مطلقاً في جودة السبك، وعمق الفكرة، واشتعال العاطفة، دون أي تفاوت أو وهن؛ وهو أمر لم يسجله تاريخ الشعر العربي، على حد علمي، لشاعر في مداره القديم أو الحديث على حد سواء.

 

ويمكن تفكيك هذا التفوق الأسلوبي والأخلاقي عبر الأغراض التالية:

  • شعر الحكمة (العمود الفقري): لا تأتي الحكمة عنده أبياتاً منثورة في أواخر القصائد، بل هي فلسفة وجودية ومقاربة معرفية تشكل العمود الفقري للبناء النصي. يقدم حكمة مكثفة تقترب من منزلة الأمثال السائرة، لكنها مغسولة بماء الشعر وعمق الرؤية الاستشرافية.
  • الوجدانيات والغزل (رقة الشموخ): يتخلص الشاعر من الابتذال الحسي ليحلق في فضاء العشق النبيل الشفيف. تكتسب لغته الجزل طواعية مذهلة، فتصبح الكلمات القوية رقيقة كالنسيم لتعبر عن لوعة البين وخطرات الروح بوعي طاهر وعذوبة أندلسية دون سقوط في وهن الديباجة.
  • المديح والفخر (صياغة القيم): ينأى الشاعر بنفسه عن التكسب أو الاستجداء؛ الفخر عنده هو فخر المبدأ، والعقيدة، والعروبة، والمنهج الأخلاقي والفكري. والمديح هو احتفاء بالقيمة لا بالشخص، وتجسيد للمثل العليا، فيخرج جرس القصيدة فخماً مشحوناً بكبرياء ذاتي توجيهي.
  • الرثاء (المعمار الجنائزي وتسامي الفقد): يتجاوز الرثاء البكاء العابر إلى هندسة الفجيعة وتأصيل فلسفة الموت والحياة. يفيض النص بحرارة الفقد الصادقة ممتزجة برباطة جأش معرفية، تتحول معها دمعة الشاعر إلى مرآة يرى فيها الإنسان مصيره ومكانة الراحل في سياق المجد.
  • الهجاء (السيف الأخلاقي الصارم): عند استدعاء هذا الغرض، يترفع الشاعر عن الإسفاف أو السب المبتذل، ليصبح الهجاء عنده تقريعاً قيمياً وتعرية فكرية للمواقف الساقطة، مستخدماً عبارات صارمة وحادة كالنصال، تحول الهجاء إلى محاكمة تاريخية وأخلاقية.
  • الشعر الوطني والديني (الالتزام الرسالي): تتماهى ذات الشاعر مع هموم الأمة ومقدساتها. فالشعر الديني ليس رصفاً للأدعية بل هو معراج بياني وروحاني يذوب في جلال العظمة الإلهية، بينما يتحول الشعر الوطني إلى وثيقة عهد واستنهاض للهمم، تلتحم فيها التلادة التاريخية بالوجع المعاصر.

 

ثالثًا: الجغرافيا الزمنية للنص والتجليات عبر العصور

إن الميزة الإعجازية في أسلوب العمري هي صهر السمات الأسلوبية للعصور الأدبية المتعددة وتذويبها بتناغُم مشهود في القصيدة الواحدة، وكأن اللغة العربية بكل طبقاتها الجيولوجية والتاريخية قد دانت له طوعاً. ويتأكد هذا الدور الريادي عبر سياحة نقدية في قصائده التي تمثل المفاصل التاريخية للأدب العربي:

  1. الروح الجاهلية: متانة السبك والافتتاح المهيب

في قصيدتي «عرين الهدى» و«هلال العيد»، يستحضر العمري جزالة اللفظ الجاهلي وقوة جرس الكلمات، حيث يلمس القارئ فخامة الديباجة وقوة النبرة الخطابية الأصيلة التي تعيد لعمود الشعر هيبته الأولى، متجاوزاً حدود الوصف الحسي إلى آفاق معنوية رحبة.

  1. الكبرياء الأموي: حركية الصراع وجسارة الموقف

تتجلى سمات العصر الأموي في قصيدتي «كف وإزميل» و«ربقة الأنفال». هنا يبرز النفس النضالي، وحركية الصورة، والجزالة الممتزجة بالجدل الفكري والسياسي والاجتماعي. يتفوق العمري هنا في شحن اللفظ بطاقة حماسية واثقة تعيد إلى الأذهان قصائد الفخر والمواجهة الأموية الشامخة.

  1. الفلسفة العباسية: معراج البيان وعمق المحاضرة الروحية

ينتقل الشاعر إلى ذروة الترف العقلي والعمق الفلسفي والروحي في قصيدتي «معراج البيان» و«إليك إلهي». في هذا الفضاء العباسي، تصفو اللغة لتصبح أداة للتأمل الوجودي والمناجاة العميقة. يمتزج الخيال المحلق بالصنعة البديعية الواعية غير المتكلفة، ليثبت العمري تفوقه في صياغة الحكمة والوجدانيات الإلهية بنبرة تذكر بعباقرة ذلك العصر.

  1. الرقة الأندلسية: لوعة البين وشفافية الوجدان

وفي قصيدتي «لوعة البين» و«شرفة الوجدان»، يرتدي النص ثوباً موشحاً بالرقة والتشخيص الطبيعي والنفسي الاستثنائي. يطوع العمري لغته لتفيض عذوبة وسلاسة، محاكياً الشجن الأندلسي العذب وموسيقاه الداخلية الراقصة والموجعة في آن واحد، ليعبر عن أدق خطرات النفس الوجدانية.

  1. المتانة المملوكية: المبادئ والمواقف في وجه الانكفاء

حتى العصر المملوكي، الذي وُصم تاريخياً بالصنعة، يعيد العمري صياغته برؤية مغايرة في «المبادئ والمواقف» و«أحلام وأملاح»؛ حيث يأخذ من ذلك العصر إحكام الصنعة وقوة التناص واستدعاء التراث، ولكنه يفرغها في قوالب فكرية صلبة تخدم الموقف الأخلاقي والمبدأ الإنساني، متفوقاً على شرطه التاريخي.

  1. النبض الحديث: الاغتراب وتفكيك الذاكرة المعاصرة

وتأتي قصيدتا «عند ضفة حزني» و«على أعتاب ذاكرة» لتؤكدا أن العمري ليس أسيراً للماضي؛ بل هو ابن لحظته الراهنة. تتماهى القصيدتان مع أحدث التقنيات الأسلوبية من صور سريالية موظفة بعناية، وإيقاع هادئ يصور قلق الإنسان المعاصر واغترابه، وبناء درامي متصاعد يلامس شغاف الواقع الراهن.

 

خلاصة الاستحقاق النقدي

إن تجربة د. سمير العمري لا تمثل إضافة كمية إلى ديوان الشعر العربي، بل هي برأيي إعادة هندسة للتاريخ الأدبي بأكمله وتكثيفه داخل الفضاء النصي الواحد. إن هذا الجمع النادر بين ثبات المستوى الإبداعي الرفيع في شتى الأغراض (دون تفاوت)، والاستيعاب الشامل لأساليب العصور من الجاهلية إلى الحداثة، مع بث روح العصر ونبضه الحي؛ هو المبرر البنيوي والعلمي الذي يضع العمري بلا منازع، برأيي وبرأي كل ناقد منصف نزيه، صاحب أعلى مقام في الشعر والأدب المعاصر والأصيل، والمعمار الأبرز الذي توج ملكاً على عرش الكلاسيكية الحديثة في أبهى تجلياتها التاريخية.

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى