أدبنثر

في ليلة عيد

لِمَاذَا الْيَوْمَ تَسْتَيْقِظُ خَمْسِيْنِي سَاطِعَةً فِي لُجَّةِ هَذَا الْلَيْلِ بَعْدَ عِيْدٍ ؟ وَلِمَ لَمْ أَشْعُرْ بِتَسَلُّلِهَا مِنْ بَوَّابَاتِ الْعُمُرِ الْمَنْسِيَّةِ قَبْلَ الْيَوْمِ ؟ لِمَاذَا ابْتَهَجْتُ إِذًا فِي أَعْيَادِي الْمُتَرَاكِمَةِ أَتَرَاشَقُ وَخِلاَّنِي بِالْوَرُوْدِ وَالْهَدَايَا وَالتَّهَانِي؟ وَجَلَسْتُ مَعَ الْأَحِبَّةِ عَلَى ضِفَافِ النَّشْوَةِ، وَالْجَوُّ يَعْبَقُ بِرَائِحَةِ الطُّفُوْلَةِ، نَعْتَصِرُ مِنَ الرَّبِيْعِ مَا لَذَّ وَطَابَ، وَنَشْرَبُ رَحِيْقَ الْلَحْظَةِ عَلَى مُفَكِّرَةٍ تُتْقِنُ التَّسَمُّرَ فِي الزَّمَان ؟ تُرَى هَلْ كَانَ الْأَمْر حَقًّا جَدِيْرًا بِالاحْتِفَال.

لِمَاذَا الْيَوْمَ أَخَذَ الشَّيْبُ يُكَشِّرُ عَنْ بَيَاضِهِ فِي صَبَاحِ مِرْآتِي ؟ وَتُعْلِنُ عَنْ نَفْسِهَا انْحِنَاءَاتُ الْخُطُوْطِ الْبَيَانِيَّة ؟

كَيْفَ تَفَتَّقَتْ فِي دَاخِلِي مَوَاهِبُ الْحِسَابِ فَجْأَةً ..وَقُدْرَتِي عَلَى الْإِحْصَاءِ ؟ إِذْ بَدَأْتُ أُدْرِكُ أَنَّ مَا بَعْثَرْتُهُ هُنَا وَهُنَاكَ يَفُوْقُ وفْقَ مَبْدَأِ الْاحْتِمَالِ مَا بَقِيَ مَخْزُوْنًا فِي مِحْفَظَةِ الدَّقَائِقِ وَالثَّوَانِي، وَأَنَّ هذِهِ الْعَتَبَةَ لَيْسَتْ الَّتِي اعْتَدْتُ أَنْ أَطَأَهَا مُتَجَاهِلًا قُدْرَتَهَا عَلَى الْعَدِّ وَالتَّغْيِيْرِ كُلَّ يَوْمٍ، وَأَنَّ لِلْحَقَيْقَةِ وَجْها آخَرَ, وكَأَنِّي مَا أَزَالُ أُمَارِسُ طُقُوْسَ وَجْهٍ .. مُعْتَنْقًا سُنَنَ الْوَجْهِ الْآخَرِ !

لِأَوَّلِ مَرَّةٍ أَعْلَمُ أَنَّ الْلَيْلَ طَيٌّ لِصَفْحَةٍ، وَقُدْ كُنْتُ أَحْسَبُهُ فَتْحًا جَدِيْدًا, وَلِأَوَّلِ مَرَّةٍ أَرَى الْغُرُوْبَ أُفُوْلًا وَلَيْسَ نُقْطَةً قَبْلَ بِدَايَةِ سَطْرٍ، فِي صَفْحَةٍ لَمْ أَلَاحِظْ قَبْلًا لَهَا هَوَامِشَ سًفْلِيَّةً.

آآآآهِ يِا أَنَا الْخَمْسِيْنِيِّ كَمْ فَاتَتْكَ خَوَاصُّ الْجَمْعِ وَالطَّرْحِ وَالتَّفَاضُلِ والاحْتِمَالِ, وَكَمْ خَانَتْكَ قُدْرَتُكَ عَلَى الْمُلَاحَظَةِ , عِنْدَمَا لَمْ تَعِ يَوْمًا مَعْنَى التَّقّدُّمَ . أَمَا عِلِمْتَ يَا هذَا أَنَّ آخِرَ الْأَمَامِ هُوَ أَوَّلُ الْخَلْفِ ؟ فَأَعْطِ الْفُرْصَةَ إِذًا لِلْمِرْآةِ أَنْ تُقَدِّمَكَ لَكَ مِنْ جَدِيْد .

هَا أَنْتَ تُطِلُّ مِنْ عَبَثِ الْأَمْسِ عَلَى صَدْمَةِ الْيَوْم مُتَوَشِّحًا بِعَبَاءَةٍ لَمْ تَرْتَدِهَا مِنْ قَبْلُ ,مُمْتَطِيًا صَهْوَةَ مَاضٍ لَمْ تُكَلِّفْ نَفْسَكَ مَرَّةً بِمُلَاحَظَةِ تَوَغُّلِهِ بالاغْتِرَابِ وَالنَّأْيِ عَنْ طُرُقِ القَوَافِلِ , وَارْتِكَابِكَ كَبِيْرَةَ الْغَفْلَةِ مُذْ رَشَدْتَ ذَاتَ تَكْلِيْفٍ !

فَمَا أَدْرِي أَأُهَنِّئُكَ بِشُمُوْعِ الْعِيْدِ، أَمْ أُهَنِّئُ مَصْنَعَ الشَّمْعِ بِأَعْيَادِكَ ؟ أَمْ أَكْتَفِي بِبَعْضِ ذِكْرَى أُقَدِّمُهَا لَكَ (أَسِفًا عَلَى بَعْضِ أَقْرَانِكَ الَّذِيْنَ لَمْ تُسْعِفْهُمُ الصَّحْوة بعد)عَلَى طَبَقِ الْيَوْم قَائِلًا لًكَ فِي الْلَيْلَةِ الْفَصْلِ : كُلَّ اسْتِيْقَاظٍ وَأَنْتَ كَبِيْر !

اظهر المزيد

اترك رد

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى