نثر

استسلام

كَزَيْتُونَةٍ رُومَانِيَّةٍ عِمْلاقَةٍ تَمْتَدُّ جُذُورُكَ فِي أعْمَاقِي، لا مُتَّخِذَةً شَكْلَهَا الخَارِجِيَّ كَمَا يَزْعُمُونَ، ولا مَحْدُودَةً بِحَجْمِهَا المَرئِيِّ كَمَا يَتَصَوَّرُونَ، حَيْثُ لَمْ تَخضَع الجُذُورُ كَنَابِتِهَا يَوْمَاً لِتَقلِيمٍ وَلا جَارَ عَلَيهَا مِقَصٌّ ولا نَصْلٌ، لِيَضْبِطَهَا حَجْمٌ أَوْ يَحكُمَهَا نَسُقٌ أَو شَكْلٌ، فَامتَدَّتْ عَنُودًا لا يَعْنِيهَا حَدٌّ وَلا يُعْيِيهَا صَدٌّ، مَهِيبَةً فِي تَقَدُّمِهَا، رَهِيبَةً فِي تَحَكُّمِهَا، تَجتَاحُ قِفَارَ الرُّوحِ جَحْفَلاً مِنْ أَحْلام، في اسْتِوائِهَا جُنُوحٌ، وفِي انْصِيَاعِهَا جُمُوحٌ.

واحْتِكَامًا لأمْرِهَا أقِفُ كَدَأبِ المُرَوَّضِينَ سَلِيبَةَ فِكْرٍ وإرَادَةٍ ، فِي زَاوِيَةِ الطَّاعَةِ بِمِحرَابِكَ، أُدَارِي ارتِجافي ِبِكَفَّيْنِ انتَصَبَتا مُلتَصِقَتَيْنِ أمَامَ وَجْهِي تَضبُطَانِ أَنفَاسِي لِتحفَظَا هَيبَةَ الهَيكَلِ، وعَينَينِ أَسلَمَتَا الرُّؤْيَةَ لِرُؤًى تَقَدَّمَتْ، تُؤَيِّدُهُا فِي حُدُودِ مَمْلَكَتِك أَطْيَافُ السِّحْرِ فِي تَمَاوُجَاتِ ظِلالِ الشُّمُوعِ، وانْعِكَاسِ المَشَاهِدِ المُتَرنِّحَةِ عَنْ حَبِيسِ المَآقِي مِنَ الدُّمُوعِ، فَيَتَمَلَّكُنِي الخَوْفُ مِن عُزُوفِ الطَّيْفِ عَن قَلْبِيَ الخَاطِئِ، ويُدَحْرِجُنِي أَتَرَدَّى فِي مَهَاوِي هَوَاكَ لأدْنَى الأدْرَاكِ، وأُستَعْبَدُ أكثَرَ واكثَرَ لحُلُمِي بِرِضَاكَ.

وتَسْألُنِي فِيمَ أَتَأَرْجَحُ جَوْرًا بِوَرْدِكَ فِي جَنَّةِ وِدّكَ بَينَ نَعِيمِ القُنُوتِ يَومًا أجمَعُ بِتَوْقِي ونَجْوَاكَ أَزَاهِيرَ امتِنَانِي لاحتِوَائِكَ حُلْمِي ، وَبَينَ جَحِيمِ القُنُوطِ يَومَاً أنثُرُ حَمِيمَهُ فِي دُنْيَاكَ بِأَعَاصِيرِ عِصيَانِي وَانسِيَاقِي لِوَهمِي، ، فَكَيْفَ يَكُونُ يَا حَبِيبُ الرَّدُّ، وَالسَّائِلُ أَعْلَمُ مِنَ المَسؤُولِ بِمَا اجْتَرَحَ بِشَوْكَهِ الوَرْدُ، وَمَا تَنزِفُ بِقَسوَتِهِ فِي خَدْشِهَا بِلُّورَةَ الوَعْدِ!

وأصْمِتُ رَهَبًا مِن كَدَرٍ وَرَغَبًا إِلَيكَ ولَا مَفَرّ، تَحتَلُّنِي انطِفَاءَةُ الأمَلِ، أعْيَاهُ صَبرٌ كَلَّ، وإصْرَارٌ اعتَلَّ، وصُمُودٌ فِي وَجْهِ الخَيْبَاتِ تَدَاعَى، فَأَلجَمَ الكَلِمَاتِ عَجْزًا لا وَطَرا ، فَلا القَلبُ ما يُرِيد العَقْلُ رَاعِى لِيَحْكِيَ اللِّسَانُ، وَلا الرُّوحُ قَرَّتْ وَقَرَّ المُعَنَّى بِمَا يَصْطَلِي، وَلا العَقْلُ زَلَّ، وَلا الغَيْثُ هَلَّ، وَيَغزُو سَمَائِي بِالمَوْتِ كَالمَوْتِ نَجْمٌ أَفَلَ، وَمَا رَقَّ لِي.

وإذْ نَسَجْتَ مِن حَرِيرِ القَولِ خُيُوطَ سُلْطَانِكَ مُزَرْكَشَةً بِجَمِيلِ بَيَانِكَ، فَتَمَاوَجَتْ أنْوَارُ سِحْرٍ غَمَرَ الرُّؤَى حَوْلِي لِتُرْدِيَنِي فِي أَسْرِهَا لُقَيْمَةً تَشَرْنَقَتْ طُهْرَهَا وجَمَعَتْ ذَاتَهَا فِي انْتِظَارِ نَابِ الرَّحْمَةِ يَنْغَرِسُ فِي نَحْرِهَا، فَأَبَيْتَ إلَّا أَنْ تَكُونَ الضَّحِيَّةَ المُلَوَّعَةَ، تَشْكُو نَزَقَ مَن لا يَرْضَى ولا يَشْكُرُ، وتَعفُو بِفَضلِكَ عَن أَبَقِ عَبدٍ يُعْطَى فَيُنكِرُ ويُرفَعُ فَيَستَكبِرُ، وبِحِكمَةِ مَن أُوتِيَ العِلمَ تَرسِمُ لِي خُطُوطَ الوَهمِ دُرُوبًا خَارِجَ الشَّبَكَةِ المُحكَمَةِ الحَبكِ حَولِي، فَأَنتَظِمُ حَبَّةً فِي سِلْكِهَا وَأَستَسلِمُ.

اظهر المزيد

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى