أدبد. سمير العمريقصة

فروسية

خُطُواتٌ رَشِيقَةٌ رَتِيبةٌ تَتَهَادَى عَلى أَدِيمِ الأَرْضِ كَإِوَزٍ حَالِمٍ يَسْبَحُ فِي أَصِيلٍ عَلى لُجَينِ بُحَيرةٍ سَاكِنَةٍ ، وَعَينَانِ وَاثِقَتَانِ تَرْنُوَانِ لِلأُفُقِ فِي أَرَبٍ ودَأَبٍ ، وَطَرِيقٌ عَمِيقٌ يَضِيقُ حِينًا وَيَنْفَرِجُ حِينًا بَينَ ودْيَانٍ وَجِبَالٍ وَسُهولٍ وَتِلالٍ. كَانَ المَسَاءُ لا يَزَالُ يُرَاوِدُ الشَّمْسَ عَنْ ضَوْئِهَا فُيُرْسِلُ نَسَائِمَ غَسَقٍ بَارِدٍ تَلْفَحُ وَجْهَهَا لِتَذْبُلَ مِنْهَا العُيُونُ وَتَسْتَسْلِمُ وَادِعَةً لِسِحْرٍ لا يُقَاوَمُ تَغْفُو خَلْفَ جَبَلٍ فِي الأُفُقِ عَظِيمٍ.

أَرْخَى السُّكُونُ عَلَى الكَوْنِ حُلَّةً مِن الدَّهْشَةِ وَالرَّهبةِ إِلا مِنْ وَقْعِ تِلكَ الحَوَافِرِ وَشَدْوٍ بَعِيدٍ لِعَصَافِيرَ تَعُودُ قَبْلَ أَنْ تَخْذلُهَا بَقَايَا ضَوْءٍ شَاحِبٍ وأَطْرَافُ أَجْنِحَةٍ أَرْهَقَهَا طُولُ السَّعْيِ وَالتَّحْلِيقِ. وَفَجْأَةً قَدَّتْ صَرَخَاتٌ مُدَوِّيَةٌ قَمِيصَ الصَّمْتِ مِنْ دُبُرٍ:

ــ النَّجْدَة ، النَّجْدَة! أَغِيثُونِي أَيُّهَا النَّاسُ! إِرْفَعْ يَدَكَ النَّجِسَةَ عَنِّي أَيُّهَا الخَبِيثُ! قَاتَلَكَ اللهُ!

انْطلَقَ يَصْعَدُ بِجَوَادِهِ التَّلَّةَ يَسْتَكشِفُ مَصْدَرَ الصَّوتِ ثُمَّ هَوَى كَالرِّيحِ يَلْكزُ ذَلكَ الخَبِيثَ لِيَهْوِي فِي وَادٍ سَحِيقٍ وَيَلتَفِتُ إِلى حَيث كَانَتْ عُيُونُهَا تَشْكُرُهُ وَلِسَانُهَا لا يَزَالُ يَبْحَثُ عَاجِزًا عَن كَلِماتٍ تُنْصِفُهُ ثُمَّ أَشَارَتْ إِلى حَيث أَرَادَتْ.

كَانَ يَجُرُّ جَوَادَهُ ، كُلَّمَا صَرَخَتْ قَدَماَهُ مِنْ بَلَلٍ نَهَرَهَا وَقَارُهُ ، وَكَلَّمَا نَخَزَهُ جَنْبُهُ مِنْ كَلَلٍ أَنْكَرُهُ إِبَاؤهُ يَجُولُ بِبِصَرِهِ فِي الأَنْحَاءِ تَأَهُّبًا وَيَختَلِسُ النَّظْرَةَ إِلى الخَلْفِ تَحَسُّبًا ، وَفِي قَلْبِهِ سَكَنَ حُزْنٌ دَفِينٌ.

ــ نَحْنُ قَومٌ غُرَبَاءُ يَا بُنَيّ قُدِّرَ أَنْ نَسْكُنَ هَذِهِ القَرْيَةَ الظَّالِم أَهْلُهَا. وَهَا وَهَنَ العَظْمُ مِنِّي وَنَاهَزَ العُمْرُ كِبَرًا عِتِيَّا ؛ وَإِنِّي أَخَشَى عَلَيهَا وَابْنَتَيهَا مِنْ غَولِ مَا سَيَأتِي. قَدْ أَنْقَذْتَهَا مِن الغَدْرِ وَلَيتَكَ تُنْقِذُهُمْ مِن نَوَائِبِ الدَّهْرِ يَكُنْ لَكَ بِزَوَاجٍ الأَجْرَ الكَبِيرَ.

ــ وَلَكِنْ أَيُّهَا الشَّيخ الجَلِيل إِنَّ دَربِي طَويلٌ وَهَمِّي ثَقِيلٌ وَزَادِي قَليلٌ ، وَلا أَحْسَبُهَا تَسْتَطِيعُ مَعِيَ صَبرًا ، وَلَولا أَنَّ فِي …

ــ بَلَى أَسْتَطيعُ ، وَلَنْ تَجِدَنِي إِلا صَابِرَةً رَاضِيَةً وَلا أَعصِي لكَ أَمْرًا. يَكْفِينِي أَنْ أَكُونَ فِي كَنَفِكَ آمِنَةً فِي جَنْبٍ ، عَائِشَةً فِي حَدبٍ.

ــ أَمَا زَالَ الدَربُ طَويلا؟ قَدْ مَلَلْتُ مِنْ طُولِ انْتِظَار.
هَتَفَتْ مِنْ خَلْفِهِ ثُمَّ أَرْدَفَتْ:
ــ لِمَ لا نَسْلكُ هذَا الطَّريقَ المُخْتَصَر بَدلَ الالتِفَافِ الطَويلِ حَولَ هَذهِ الجِبالِ الكَثِيرةِ؟

انْتَبَهَ إِلَيهَا مِنْ سطْوَةِ أَفْكَارِهِ يَرَى نَبْرَتَها تَحْتَدُّ يَومًا فيَومٍ.
ــ لأَنَّ هذَا الطَّريقَ خَطِيرٌ يَكْثُرُ فَيهِ اللصُوصُ وقُطَّاعُ الطُّرقِ وَتَكْثُرُ فِيهِ الانْهِيَارَاتِ الصَّخْريَّةِ وَفُرَصُ النَّجَاةِ مِنْهُ ضَئِيلَةٌ وَإِنِّي لا أُحِبُّ أَنْ أُغَامرَ حِرصًا عَليكُمْ.

ــ بَلْ أُرِيدُكَ أَنْ تُغَامِرَ فَهَذَا خَيرٌ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ إِلا أَنْ تَكُونَ أَنْتَ مَنْ يَخْشَى ذَلكَ أَو يَسْعَدُ بِشَقَائِنا.

ــ كَلا ، لا هَذِه ولا تِلكَ. سَلَكْتُهُ كَثِيرًا وَلَكِنْ هَذهِ المَرَّةُ يَخْتلفُ الوَضْعُ وَأَرَى أَنْ لا نُعَرِّضَ الحَيَاةَ لِخَطَرٍ يُمْكنُ تفَاديهِ ببَعضِ صَبرٍ. سَنَدُورُ حَولَ هَذِهِ السِّلْسِّلَةِ وَبَعْضُ انْتِظَارٍ آخَرَ لا يَضِيرُ.

ــ بَلْ يَضيرُني ، وَمَا أَرَاكَ إِلا جَبَانًا تَتَذَرَّعُ بِنَا ، وَلَو كُنتَ الفَارِسَ الذِي تَدَّعِي لَوَاجَهْتَ كُلَّ صَعْبٍ مِن أَجْلِي. مَا عُدْتُ أرِيدُكَ وَإنِّي أَطْلُبُ الفِرَاقَ فُكُنْ رَجُلا وَوَافِقْ.

أَومَأَ بِعَينَيهِ مُوافِقًا ، ثُمَّ أَشَاحَ بِوَجْهِهِ يبْتَسمُ فِي أَلَمٍ ، وَأَغمَضَ عَينَيهِ يَهْرُبُ مِنْ هَولِ مَا رَأَى تَحْتَ ذَلكَ القِنَاعِ لِيَغْرَقَ فِي أَفْكَارِهِ منْ جَديدٍ.

ــ تَزَوَّجْهَا يَا بُنَيَّ مِنْ أَجْلِي وَمِنْ أَجْلِ ابْنَتَيهَا هَاتَين فَإِنِّي لا أَكَادُ أحمِيهَا حَيَّا وَمَتى مِتُّ سَيَغلِبُهَا القَومُ عَلَى أَمْرِهَا يَسُومُونَها سُوء الهَوانِ وَيُؤْذُونَنِي ـ وَأَنَا الشَّيخُ الجَلِيلُ ـ فِي ذُرِيَّتِي.

نَظَرَ إِلى عَينَي الشَّيخِ الدَّامِعَتينِ ثُمَّ جَالَ بِبَصَرِهِ نَحْوَهَا تُناشِدهُ عيْنَاهَا القَبُولُ ، ثمَّ نَحْو عُيُونِ الطِفْلَتينِ الذَّاهِلَتِينِ لا تَعْرِفَانِ مِن القَولِ إِلا شتَاتَ ظَاهِرِه.

ــ لا تَهْتَمَّ لأَمْرِ الطِّفْلَتينِ ، يُمْكِنُنِي الاستِغْنَاءَ عَنْهُمَا مِنْ أَجْلِكَ.

عَادَ يَجرُّ الجَوادَ يَخْتَلِسُ النَّظَرَ إِلى الطِّفلَتينِ المُرْهَقَتينِ عَلَى ظَهْرِهِ وَقَدْ تَشَبَّثَتَا بِأَثوَابِ أُمِّهِمَا خِشْيَةَ السُّقُوطِ فِي هَذَا الطَّريقِ الضَّيِّقِ المُحَاطِ بِصُخورٍ حَادَّةٍ وَأَودِيةٍ عَمِيقَة.

ــ لَولا هَاتَانِ الطِّفْلَتَانِ وتوسُّل الشَّيخِ الكَبيرِ لَمَا كُنْتُ أَثْقَلتُ بِكِ كَاهِلِي ، فَأَيُّ قَلْبٍ لَكِ أَيتُهَا المَرأةُ وَأَيُّ قَلبٍ لَكَ أَيهَا الرَّجُل!

كَانَ صرَاخُهَا يَعلُو وَأَقْنِعَتُهَا تَسَاقَطُ وَهُوَ يَجُرُّ قَدَميهِ فَجَوادَهُ فِي ذَاكَ الطَّرِيقِ الذِي قَسَرَتْهُ إِلَيهِ يَتَأَلَّمُ لِمَا آلَتْ إِلَيهِ حَالُهُ وَبِمَا أَرْهَقَهُ بِهِ سُؤَالُهُ وَبِمَا أَشْغَلَهُ ذَاكَ كُلّهُ عَنْ طَلَبِهِ لا يَنَالُهُ ، يُقَلِّبُ بَصَرَهُ تَأَهُّبًا وَتَوَجُّسًا وَيُصَارِعُ فِكْرَهُ تَأَسُّفًا وَتَعَفُّفًا.

لَقَدْ كَانَ أَطْعَمَ المَرْأَةَ زَادَهُ ، وَأَرْكَبَهَا جَوَادَهُ ، وَشَارَكَهَا وِسَادَهُ ، وَأَسْكَنَهَا رَغْمَ الأَسَى فُؤَادَهُ فَمَا وَجَدَهَا إِلا تُوْرِدُهُ التَّهْلُكَةَ وَتَتَّهِمْهُ بِهَا ، وَتُجْهِدُهُ المُستَحِيلَ وَتَخْذُلُهُ فِيهِ ، وَتَأمُرُهُ بِالعَدِلِ وَهِيَ تَظْلِمُهُ.

أَقبَلَ مَساءٌ آخرُ بِقَلبٍ مُشْفِقٍ عَلَيهِ عَلَّهُ يَستَرِيحُ. جَلَسَ يُقَلِّبُ عَلَى نَارٍ أَشْعَلَهَا أَرْنَبًا اقْتَنَصَهُ قَبْلَ أَنْ تُوَدِّعَ الشَّمْسُ مَدَارَهَا وقَدْ تَنَقَّلَ بَصَرُه بِهُدُوءٍ بِينَ الطِّفْلَتينِ وَقَدْ جَلَسَتَا غَيرَ قَريبٍ مِنْ مَوضِعِ النَّارَينِ طَلَبًا للسَّكينَةِ وَبَينَ الأُفُقِ المُمْتَدِّ عَلَى مَدَى الأَحزَانِ الدَّفينَةِ.

ــ مُبَارَكٌ عَلَيكَ الزَّوَاجُ يَا بُنَيَّ وَأَعَانَكَ اللهُ عَلَى أَمْرِكَ فِيهِ.
رَنَا بِصَمْتٍ وَتَسَاؤُلٍ فَأَرْدَفَ الشَّيخُ:
ــ اصْبِرْ لِحُكْمِ اللهِ وَلا تَضْجَرْ ، واسْتعِنْ باللهِ ولا تَعجَزْ ، وَأَدْعُو اللهَ للجَميعِ بالهِدايَةِ فلا يَأْتِي يَومٌ تُدْرِكُ فِيهِ مَا ……
ــ أَمَا انْتَهَى هَذا الشوَاءُ؟! قَدْ بَاتَ كُلُّ شَيءٍ مُمِلا وَمُزْعِجًا. مَتَى يَنْتهِي هَذَا كُلَّهُ وَنَصِلُ إِلى حَيثُ أُرِيدُ؟!
هَكَذَا أشعَلتْ عَلَيهِ خَوَاطِرَهُ بِصَوتٍ عَالٍ وَتَوَتُّرٍ شَدِيدٍ.
ــ أَلَمْ أَقُلْ لَكِ إِنَّكِ لَنْ تَسْتَطِيعِي مَعِيَ صَبْرا؟!
ــ هَكَذَا أَنْتَ دَائِمًا! مَنْ تَظُنُّ نَفْسَكَ لِتُحَدِّثنِي بِمِثلِ هَذهِ اللهْجَةِ؟! انْتَبِهْ جَيدًا لِمَا تَقُولُ وَحاذِرْ فَلا تَتجَاوَزَ مَعِيَ حُدُو…..
قَامَ فَجْأةً مَنْتَفِضًا يَصْرُخُ بِهَا:
ــ ارْتَدِّي إِلَى الوَرَاءِ بِسُرْعَةٍ … هَيَّا ، هَيَّا …!
لَمْ تَسْمَعْ لَهُ ، بَلْ رمَقَتهُ مُتَنَمِّرَةً ، وقَبْلَ أَنْ تَوَاصِلَ كَلامَهَا ذَاكَ قَفَزَ يَدْفَعُهَا إِلَى الخَلْفِ بِقُوَّةٍ أَسقَطتْها عَلَى بَعْضِ صُخُورٍ نَاتِئَةٍ إِلَى حَيثُ كَانَ ابْنَتَاهَا.
ــ قَدْ آذَيتَنِي قَاتَلَكَ اللهُ! خَدَشْتَ سَاقِي وَآذَيتَ ذِرَاعِي. أَيُّ خُلقٍ خَسِيسٍ ، وأيُّ تَصَرّفٍ دَنِيءٍ!
التَفَتتْ إِليهِ وَزَمْجَرَتْ:
ــ أَهَذِهِ هِيَ فرُوسِيتُكَ المَزيَّفَةُ وَرُجُولَتكَ المَزْعُوووو!
تَوَقَّفَتْ فَجْأَةً فَقَدْ رَأَتْ وَجْهًا غَرِيبَا مرِيبًا قَد ارْتَسَمَتْ عَلَيهِ ابْتِسَامَةُ زَهْوٍ وَظَفَرٍ يسْتَنِدُ بِتَبَاهٍ إِلى صَخْرَةٍ كَبيرَةٍ سَدَّتِ الطَرِيقَ خَلفَهُ.

وَفِي وَقْتٍ مُتَأَخِّرٍ مِنْ تِلكَ الليلةِ كَانَتْ جَلْجَلَةُ ضَحِكَاتِهَا تُزَفُّ عَرُوسًا فِي أَحَدِ الكُهُوفِ تَعْلُو عَلَى صَهِيلِ جَوَادٍ حَزِينٍ يَرْكُلُ عَبَثًا تِلكَ الصَّخْرَةَ الكَبيرَةَ بأَقْدَامِهِ وَفِي عَينَيهِ دَمْعَةُ وَفَاءٍ.

اظهر المزيد

تعليق واحد

  1. لله درك ايها الشاعر الحصيف ما اروع واجمل ما قرأت هنا الان بسردك المشوق والماتع الذي هز المشاعر من اول حرف حتى سدرة المنتهى .
    نهاية حزينة برغم الضحكات التي الخسيسة .. هكذا هم الاوفياء والطيبين دائما .. خالص الود والتقدير لك استاذي الأريب ..

اترك رد

شاهد أيضاً
إغلاق
  • شعر

    متكأ

زر الذهاب إلى الأعلى