أدبنثر

خلف نافذتى

تقرع أجراس الخريف بصوتها المرتعش، يزحزح الغيم عني صدر السماء الأزرق، ويباغتني بثرثرة الضوء الباهت. ما زالت النجوم تتجمل في المساء والقمر في ثيابه يتقعر. خلف نافذتي قرأت الأحلام ذابلة وفي عيونها البكاء. تنصت للسماء أملاً وقد تجرّحت على أكتاف الظلام، وقد توارت خلف هشيم الذكريات حين تاهت عن ظلّ الأمنيات. تتوجس الرؤيا تبحث عن طيف يروّض دقّات الوقت المضطربة وتكسر نوافذ الظلام في وحشة الليل الصامت.

هناك التقينا على شفة اللغة، حين عزفتنا أوتار القصيدة. وحيث الحروف محراب الشوق على لسان الأغنية، وهي تردد الحنين للأمس كي يعود من رحلة الانتظار الطويل. الكلمات تنطق الأمل على ضفاف ذاكرة تزهر أجنحة الربيع، وتجمع رحيق الفصول من بين براثن الزمن. لا طوفان بعد اليوم، ولا ريح عاتية على وجه الرؤيا؛ فلا شيء يشبهنا في موسم الدفء.
أحلامنا نافذة تُطلّ من ضفة الأمس على شاطئ الفرح، وحيث تقرع جدران الذاكرة الصماء من غيابها الطويل لتحمل الشمس من عيون الغروب قبل انكسارها، وقبل أن تسقط في مرمى بلوغ الليل. مثل أحلام البنفسج أرواحنا تزهو في الفصول المزهرة بلا عوائق ولا سياج ولا غبار رصيف. ولا ننفك نحلم بربيع بلا رماد ولا رمال، ونتراقص على رخام الذكريات كرقص النحلات على رحيق الزهر في أوج الربيع. فهل ستخضرّ الرؤيا ويتحقق المصير فرحاً في سنابل العمر؟!

يا ليل .. عٌد بي إلى النجوم أسامرها، كبّلني بقيود الدجى، واغرز في ظلي خنجراً يمتد جرحاً يلازمني، وارقب مسافات الأرض وأشواك الطين وهي تندسّ في عروق الفجر.
يا ليل .. أفراح قلبي ولّت، فصرختُ: يا موت طال غيابك، ناديتك فلم تسمعني. جرح الروح محترفٌ في طيّ الحنين والأشواق بين رماد الورد، يغمس سواد الأيام بين عروقي.
ضجيج القلق يئد حكايات الأمل، فتنتابني غصة الضوء في عيون نجمة أسكرت النور عند أقدام اللقاء. الخوف يتصفحني ورقة ورقة في سِفر الغياب، يمحوني خلسة من ألواح المطر المتراكم في عيون الانتظار. وأنا أنا؛ ما زلت أفكك أزرار حنجرتي، كي يفوح الصوت صراخاً من مواسم الأحلام، ويُعلن أن الأقلام لم يزرها العيد هذا العام.

سأمشق قلبي نبضة نبضة، أضعها على بساط الريح كي أنثرها في عيون النجوم خفقة ضوء. وعلى خد القمر، قبلة نور في اكتماله بدرًا. من قال أن الشمس ترحل عند المغيب؟! هي تمنح القمر جمالاً وبهاء في غيابها، وتستعد لتمشيط الليل من الدجى المتراكم من ظلم الورى لتعود بأبهى شروق وهي تتنفس نوراً بعد أن أزاحت عن كاهلها العتمة. وتبتسم اللحظة تمد أناملها ثم كلتا ذراعيها، وفي قلبي منها يرتجف جنين شوق قد اجتمعت فيه كل نبضة.

اظهر المزيد

اترك رد

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى