ريادة البيان وتأسيس الدولة الثقافية العابرة للحدود

قراءات في إبداعات الشاعر الكبير الدكتور سمير العمري

قراءات في إبداعات الشاعر الكبير الدكتور سمير العمري

 

في إطار ترسيخ الدور الريادي الناهض بالمشهد الثقافي العربي ودورها العابر للحدود كدولة ثقافية رقمية، وضمن إطار الأنشطة الفكرية والأدبية المتميزة لفرعها في دولة الكويت عقد مؤتمر ثقافي تحت مظلة رابطة الواحة الثقافية، وبناءً على مخرجات هذا الاجتماع المنعقد يوم الجمعة بتاريخ 23/02/2007، والذي جاء تحت عنوان نقدية رفيعة: «قراءات في إبداعات الشاعر الكبير الدكتور سمير العمري»؛ حظي اللقاء بحضور قامات أدبية وازنة من الأخوة الأدباء والمفكرين:

  • الدكتور سلطان الحريري

  • الدكتور مصطفى عراقي

  • الدكتور مصطفى عطية

  • الأستاذ محمد الحريري

  • الأستاذ حسام القاضي

  • الأستاذ مأمون المغازي

  • الأستاذ محمد سامي البوهي

  • الدكتور محمد حسن السمان

وقد خلصت القراءات المشتركة والمستفيضة في هذا الندوة المباركة إلى محاور تلخص عبقرية الشاعر وريادة مؤسسته الأدبية، ويمكن تصنيفها على النحو التالي:

أولاً: السيادة اللغوية والمعمار البنائي للقصيدة

عند التكلم عن اللغة، لابد من الإشارة الواضحة إلى رقي اللغة عند الشاعر الدكتور سمير العمري وموسوعيتها، فهو يمتلك مخزوناً غزيراً من المفردات، وهذا ما جعل القوافي تأتي طيعة سهلة في قصائده، وأعطاه زخماً وثراءً في التعبير عن مكنوناته الشعرية.

والألفاظ عند الشاعر العمري ذات جزالة وفخامة، وتحمل رتماً موسيقياً عالياً، وهو ما أحب أن يطلق عليه أحد الأدباء «الموسيقا النحاسية للمفردة»، على الرغم من وجود بعض القصائد لديه ذات الألفاظ الموسيقية الهادئة، وربما استخدم ذلك في توظيف نوع المفردة والجرس والهدف ليخدم الغرض من القصيدة. وحيث أن الدكتور العمري يميل إلى الفكر والتعبير عن مآسي الأمة ومشاكلها، ويتصدى للمواضيع الفكرية والاجتماعية، فقد غلبت جزالة المفردة والموسيقا ذات الرتم العالي على قصائده، لدرجة أن ذلك هو بصمة مميّزة لشعره. ولابد أن نذكر هنا بأن الدكتور العمري على الرغم من جزالة الكلمة لديه إلا أنه لم يستخدم ألفاظاً معقدة أو محشورة أو حوشية، بل يستخدم الكلمة القوية المعبّرة المقبولة فهماً وجرساً.

ولعل أهم ما يميّز شعر العمري هذا التوازن البنائي الناجح، والامتداد النفسي والفكري للمفردة والصورة الحركية الممتدة، التي أحياناً تصل إلى مستوى الحالة الشاعرية، ثم الترابط الجميل بين الأبعاد الحسية والإحساسية في التوافقات اللفظية التي يستخدمها، في كثير من قصائده.

ثانياً: عبقرية المعارضة والالتزام الرسالي

وفي المعارضة الشعرية عند سمير العمري، بعد الاستماع إلى أحد النماذج من شعره، وهي قصيدة معارضة نونية ابن زيدون، التي تألق بها الشاعر، تألق ابن زيدون بنونيته، نلاحظ أن العمري لامس فيها حالة من الإبداع والسمو، قلما يصل إليه شعر المعارضة، وفي بعض حالات معروفة. والمعارضة في الشعر العربي، فن جميل، تميّز به الشعر العربي، وتفوق فيه على بقية أنواع الشعر في اللغات الأخرى.

ودون أدنى شك، فإن قصائد العمري وأعماله، اتسمت بالالتزام الديني الوسطي، فهو لم يقع في تجاوزات تحيد به عن شرع أو عرف أو خلق، وربما يمكن أن نعزو ذلك إلى أن العمري يعتبر الأدب والشعر وسيلة للتعبير عن فكره ونظريته المستقبلية، ففي فكر العمري: الفكر قبل الشعر.

ثالثاً: شمولية الأغراض والتذوق الجمالي المقارن

وفي مسألة تعدد الأغراض والمواضيع التي تناولها الشاعر الدكتور العمري، يلاحظ مدى التنوع الواسع، وغزارة الشعر محافظاً في أغلب الحالات على مستوى عالٍ، متأججاً في كل موضوع مطروح، وما هذا سوى مؤشر على غزارة الثقافة وعمق التجربة.

ولدى الاستماع إلى قصائد منتقاة من شعر الدكتور سمير العمري، ألقاها الدكتور سلطان الحريري، في محاولة للتذوق الجمالي العام للقصائد، ودراسة التموسق والترابط بين البناء والمعنى ومدى تحقيق الغرض من القصيدة، ومحاولة القيام بمشابهات مع بعض الشعراء الأعلام، في مدى التمكن والمقدرة الشعرية والإبداعية، والحس الجمالي، يلاحظ التفوق الذي يتمتع به الشاعر الدكتور سمير العمري، وخاصة في التوافق بين كل هذه المقومات الجمالية مجتمعة.

رابعاً: تقييم واقع رابطة الواحة.. منبر الريادة وصناعة الأجيال

وفي تقييم لواقع رابطة الواحة الثقافية، في ظل أن الدكتور سمير العمري هو المؤسس لها، لابد من الإشادة بموقع الواحة الثقافية كمنبر أدبي وفكري متميّز، من حيث الحرية المتوازنة في تناول المواضيع، ومستوى الأدب والفكر والنقاشات، ومستوى التعامل الراقي بين الأعضاء والمتحاورين، كما أن ملتقى الواحة الثقافية، تميّز بالقيام بالقراءات الأدبية والدراسات النقدية، ذات البعد التذوقي، والحكم الإيجابي المنصف، وقد انعكس ذلك بتحقيق الواحة لأحد أهدافها المعلنة في الرقي بمستوى الأدب.

وإن هذا النجاح المؤسسي المشهود للرابطة لا يقف عند حدود التنظيم الفني، بل يمتد ليعكس فكر مؤسسها الشامخ؛ حيث يتجلى دور الدكتور سمير العمري الريادي والأساسي في احتضان المواهب الشابة والناشئة، والنهوض الشامل بالمشهد الشعري العربي من كبوته المعاصرة. لقد أخذ العمري على عاتقه، وعبر هذا المنبر السيادي، مسؤولية احتضان وتخريج وتقويم معظم المواهب الشعرية والأدبية البارزة والوازنة حالياً على الساحة العربية؛ فلم تكن الواحة مجرد منتدى عابر، بل كانت مدرسة حقيقية يتلقى فيها المبدعون أدوات الصقل اللغوي، والتقويم العروضي، والعمق الفكري على يد قطبها الأول.

ومن هنا، فإن القراءة الفاحصة لواقع هذه المؤسسة ترفعها من مرتبة المواقع الافتراضية لتؤكد تحوّلها الاستراتيجي إلى ما يشبه «الدولة الثقافية العابرة للحدود». إنها دولة أدبية مستقلة الأركان، تملك سلطة النقد والتقييم، وتمنح الشرعية الفنية المطلقة للمبدعين بناءً على الاستحقاق الأكاديمي والإبداع الحقيقي المحض، بعيداً كل البعد عن حسابات المحسوبية، أو النفاق الإعلامي، أو الولاءات الضيقة؛ مما أعاد لديوان العرب هيبته السليبة، وجعل من “المدرسة العمرية” المرجعية الأولى والأوثق في منح صكوك الجودة الأدبية في العصر الحديث.

Exit mobile version