نقد

آلیات التماسك النّصّي في شعر سمیر العمري.. قصیدة “القدس” نموذجًا (2)

⇒ الجزء الأول من المقالة

التکرار (Reiteration)

اهتمّ علماء النص بظاهرة التکرار اهتماماً کثیراً، إذ أنّه یعدّ مظهراً من مظاهر التماسك المعجمي الذي ینجم عن تماسك النصّ ویؤدّي إلی تألیف شبکة من العلاقات ضمن خارطة النص الشعري الذي یتغذي عبر هذه العلاقات والوشائج الدلالية واللغوية. مما لا یدع أي ریب أنّ التکرار یساهم في تکوین النبرة الإیقاعية والخطابية، ویعدّ من عناصر الاتساق المعجمي ولیس مجرد إعادة العناصر اللغوية المعجمية ضمن بنية القصیدة. من ثمّ نالت هذه الظاهرة اهتمام رواد علم اللغة النصّي لما تضفي علی النص المنجز ضرباً من الجمال الفني والبلاغة المستساغة، ولذلك یودّي توظیف التکرار إلی حسن النظم وسبك النصّ، وذلك من خلال «تدعیم جملة بتحقیق العلاقات المتبادلة بین العناصر المکونة للنص، ویتأتي ذلك من خلال تکرار عنصر ما تکراراً ملحوظاً ینتج عنه شیوع نسبة ورود عالية في النصّ تجعله تتمیز عن نظائره، هذه وظیفة لفظية فصلاً عن أهمیته الدلالية، فتتحدان کلتاهما في سبك النص وانسجامه»([16]).

من نماذج قول الشاعر في التکرار:

هذي هي الأرضُ المبارکةُ التي

جعلَ السلامُ بها السلامَ یُطوَّفُ([17])

یا قدسُ یا بنتَ السماء وقِبلةً

تسبي قلوبَ العابدین وتُرهفُ

یا وجفة الوجع المقدّس في دمي

یا رجفة الروحِ التي بكَ تشغفُ

یا قدسُ یا معنی الوجودِ لدولةٍ

إن غابَ نجمكِ فالوجودُ مزَّیفُ

قالوا التطرّفُ في النَّضالِ فأیُّنا

سفكَ الدماءَ وأیُّنا المتطرّفُ([18])

إنّ الحالة الشعورية والانفعالية للشاعر جعلته یستخدم تقنية التکرار لما فیه من إمکانیات تعبیرية وإیحائية،إذ یرتفع الشعر إلی مرتبة الأصالة والعراقة ویسهم في إخصاب النص الشعري ویغذّیه بالبواعث الإیحائية والجمالية، فضلاً عن مشارکته في «بناء القصیدة وتلاحمها بما یلحقه أو یکشفه من علائق ربط وتواصل بین الأبیات والأسطر، تتشکل من خلالها لحمة القصیدة»([19]).

یتبین لنا عبر هذه المقطوعة أنّ الشاعر یجنح إلی تکرار بعض الوحدات النصية من اسم وحرف (السلام، حرف النداء “یا” وأداة الاستفهام “أيُّ”). من الواضح أنّ توظیف التکرار یضفي علی النص لوناً من ألوان القوة والجزالة في الأسلوب التعبیري والاتساق بین مکونات النص الشعري. هذا یدلّ علی بلاغة الشاعر ومقدرته اللغوية في استیعاب المفردات النصية التي تعبّر بأنجع طریق عن أحاسیس خامرته رغبةً في تأکید ما یرید توصیله إلی المتلقّي. من ثمّ تحمل هذه المفردات والوحدات النصية تلك الشحنات العاطفية تجاه الوطن المسلوب، والتي تجعل القصیدة کبنية متّسقة عبر الحفاظ علی الموسیقی الداخلية للنص. من المعلوم أنّ الشاعر عبر هذه الأسطر الشعرية اتخذ التکرار بمثابة نقطة ارتکاز لیجسد عبره تلك الوظیفة الإیحائية والتعبیرية التي تلعب دوراً محوریاً في الکشف عن فکرة الشاعر ومواقفه. أحدث هذا التکرار في نفسية الشاعر حالة شعورية مکثّفة لا یرید التحول عنها، إذ یجعل الشاعر یمتدّ عبر الزمن لاستمرار هذه الحالة الشعورية المنتابة. بناء علی ذلك أسهب الشعراء المعاصرون في توظیف التکرار بغية «الترکیز علی المتلقّي أو تحقیق إیقاع موسیقي أو ترابط معنوي ونفسي بین بعض الأجزاء في المجموعة الشعرية»([20]).

إذا تأملنا في هذه الألفاظ المکرّرة نجد أنّ الشاعر عمد إلی توظیفها بقصد ووعي ولم یکن التکرار ولید الصدفة والاعتباط، بل کان ولید التجربة الشعرية والشعورية معاً. من هنا لم یکن التکرار لدی الشاعر مجرد وسیلة لتحقیق الإیقاع والموسیقی، بل صار أداة مطواعاً وناجعة لتحقیق التماسك والانسجام بین وحدات القصیدة.

التضامّ (Collocation)

یعدّ التضام أو المصاحبة اللغوية إحدی وسائل التماسك المعجمي التي تضافر علی تحقیق نصية النص وإضفاء سمة الاتساق علیه. ذهب جلّ علماء لسانیات النصّ إلی أنّ المراد بالتضام «المصاحبة اللغوية بین أجزاء الجملة الواحدة أو أجزاء النصّ وهو نوع من الاتساق المعجمي، وهو توارد زوج من الکلام بالفعل أو بالقوة نظراً بارتباطهما بحکم هذه العلاقة… ویکون بالتضاد، أو الترادف، أو الکلية أو الجزئية»([21]). بناء علی هذا، فالمراد بالتضام إیراد زوج من الألفاظ عبر خارطة النص الشعري حیث تجمع بین هذه الألفاظ صلات وعلاقات بحسب ما تقتضیه اللغة والنص الشعري.

من نماذج قول الشاعر في التضام:

ویُدیرُ کأسَ العشقِ حینَ تعلُّلٍ

بسُلافٍ ما عصرَ الفؤادَ وصبَّ فُو([22])

دعني أناجي اللهَ بین حُشاشةٍ

ترجو رضاه وبینَ عینٍ تذرفُ([23])

والزعترُ المنثور فوقَ جباله

والتّینُ والزیتونُ مهما قصّفوا

جاءوكَ من بَرٍّ ومن بحرٍ ومِن

جوٍّ کما الغربانُ فوقكَ طاروا([24])

إنّ المتأمل في هذه الأسطر الشعرية یجد حشداً کبیراً من علاقات المصاحبة اللغوية التي تومي إلی توفیق الشاعر في جعل قصیدته بناء متماسکاً ومترابطاً یتسق بعضها مع بعض. یتضح عبر إمعان النظر في المقطوعة أنّ هذه التقنية تساهم إلی حد کبیر في تلاحم الأبیات الشعرية وتعالقها حیث تجعلها لحمة واحدة متماسکة وکل هذا یساعد علی الترابط الدلالي من أجل تحقیق الانسجام لبنية القصیدة.

تشتمل هذه المقطوعة علی عدد من التضام منها (کأس وتعلّل وسلاف وعَصَرَ / حشاشة وعین وتذرفُ/ الزعتر والتین والزیتون / البَرّ والبحر والجوّ والغربان وطاروا). نلاحظ من خلال هذه العلاقة المعجمية بین المفردات النصية أنّ بنية القصیدة تجري نحو الاتساق والانسجام لما في الألفاظ المعجمية من علاقات دلالية ومعنوية تسوق النص مساق التماسك ومیل الدلالة نحو المعاني المتناسقة والمتضادة التي تنمّ عن التضام الدلالي في النصّ الشعري. تفسّر عناصر الأرض (الزعتر والتین والزیتون و…) مدی ارتباط الشاعر بهذه المکونات، فالانتماء القومي یثبّت هذا التشبث بالأرض والانغراس فیها.

یعثر القارئ عند مشاهدة النص الشعري علی حقل دلالي واحد ینمّ عن معنی مشترك حیث یؤکّد علی قضية محورية واحدة ساهمت في رسم الفضاء النصي العامّ، ومن هنا تتجمّع مفردات نصية تضافر المتلقّي للوصول إلی الغرض الرئیس للنصّ. لاحظنا أنّ کل هذه الوحدات النصية تحوم حول الاحتلال وما عانی الشاعر من قصف وتهجیر وشعور بالغربة. لا ریب أنّ علاقة المصاحبة اللغوية بین هذه المفردات ترمي إلی تحقیق الانسجام عبر الارتباط فیما بینها. لقد نال الشاعر نجاحاً ملحوظاً حیث جعل النص الشعري تترابط مکوناته وأجزائه التي تنطوي علی المفردات والوحدات النصية التي تدخل مع غیرها في علاقة التضام. لقد تمّکن الشاعر من حسن توظیف هذه المفردات النصية حیث جعلت القصیدة تتتسم بالجزالة والمتانة وحسن السبك.

التغریض ( Matisation)

یتمحور التغریض حول النقطة التي تستهلّ بها القصیدة لیستطیع المتلقي من خلالها الولوج إلی عالم النصّ وتعود عملية الفهم والتحلیل إلی التعرّف علی هذه البؤرة الدلالية، إذ إنّها تضافر المتلقي علی قراءة صحیحة للنص المبدع. اتفق علماء لسانیات النص علی أنّ التغریض هو العنوان المختار للقصیدة، وهو «عبارة عن علامات سیمنطیقية تقوم بوظیفة الاحتواء لمدلول النصّ»([25]). فالتغریض وسیلة من الوسائل الأساسية لفهم النص وما یتمحور حوله من محاور ورؤی فکرية یتضمن علیها النص وهو المفتاح الأساس لعملية استیعاب النتاج الأدبي والعثور علی فحوی النص ویعطي المتلقّي آفاقًا رحبة حول موضوع النصّ وتأویله ویجعله في حوار دائم مع النصّ، فهناك علاقة وطیدة بین العنوان وبنية القصیدة لأنّ «العنوان للکتاب کالاسم للشيء، به یُعرف وبفضله یُتداول، یُشار إلیه، ویدلّ به علیه»([26]).

هذه القصیدة المعنونة “قصیدةُ القدس” عبارة اسمية تتألف من المبتدأ المحذوف (هذه) والمضاف إلیه، فإذا أمعنا النظر في العلاقة والترابط بین العنوان وبنية القصیدة نجد أنّ القصیدة هو العنوان والعنوان هو القصیدة نفسها والناظر إلی بداية القصیدة ونهایتها یجد ضرباً من التلائم والانسجام بینهما، إذ یفتح هذا العنوان للقصیدة طرقاً لفهم النص أمام القارئ والتکهن بفحوی النص وینیر شئیاً من عتمة النصّ ویعطي القارئ تلك الخیوط التي یُحاك منها النّص من جدید. کما یتضح عبر عملية العنونة للقصیدة أنّها جاءت مجتزئةً، ذلك تکملتها تأتي في خارطة النص الشعري وکل ما ورد في ثنایا الأسطر الشعرية یعدّ جزءاً من العنوان وهذا هو الذي یرید القارئ العثور علیه عبر عتبة القصیدة (التغریض).حینما یری المتلقّي هذا العنوان للقصیدة یتخذه مفتاحاً هامًا لکل ما یستحضره ضمن الأسطر الشعرية، فإذا دققنا النظر في ثنایا المقطوعة نجد أنّ لفظة “القدس” عبر الأسطر الشعرية وردت أکثر من عشر مرات، وهذا التکرار مما یمنح النص الشعري انسجاماً وتماسکاً واضحاً. ذلك لأنّ التغریض لم ینحصر في علاقة العنوان بالقصیدة فحسب، بل یمتّ بصلة وثیقة إلی کل مقطع من المقاطع الشعرية. فقد جاء العنوان مؤاتیاً ومناسباً للأسطر الشعرية ومحور القصیدة الرئیس. أنشد الشاعر هذه القصیدة لتصویر ما حلّ بالشعب الفلسطیني المضطهد من مآس ونکبات وأزمات روحية وجسمية وحاول عبرها التعبیر الفائض عن الانتماء الروحي والقومي إلی هذا الشعب المقاوم واستطاع من خلال ذلك ترسیم ما أصابه من غدر وتقاعس الدول العربية والإسلامية التي خذلت وأفردت هذا الشعب وتخلّت عن نصرته.

من نماذج قول الشاعر في التغریض:

ماذا دهی أبناءَ یَعرُبَ فارتضوا

عیشًا به مثلَ البهائم تُعلفُ([27])

یا قدسُ یا أرج الخلود من الهدی

یا بهجةَ النفسِ التي لا تُوصفُ

یا قدسُ قد دنّسكِ الیهودُ فلیتَ لي

في الکونِ یفدي الطُّهرَ فیكِ ویُردفُ

یا قدسُ تَرسُفُكِ القیودُ فلیتَني

في القیدِ دون عظیم قدركِ أرسفُ([28])

نلاحظ عبر هذه الأسطر الشعرية ضرباً واضحاً من التماسك والاتساق بین عنوان القصیدة والمقاطع الشعرية الواردة في خارطة النصّ الشعري، إذ یقوم العنوان بتحفیز القارئ نحو ممارسة التأویل علی النصّ. عندما یقرأ المتلقي هذه المقاطع الشعرية یشعر ببدایة القصیدة لما بینهما من علاقة وثیقة وهذا یدلّ علی براعة الشاعر في عملية الإنشاد وقدرته علی التعبیر عن التجربة الشعرية والشعورية في إطار یتّسم بالجمال والانسجام. نتوصّل عبر العلاقة بین العنوان والمقاطع الشعرية إلی دور رئیس ومحوري للعنوان في تحقیق انسجام النصّ الشعري وما یُسهم هذا الأمر في إعطاء القارئ وسیلة هامّة لسبر أغوار النصّ وفكّ شفراته.من هنا صارت القصیدة لحمة متماسکة ومترابطة وکان للعنوان شأن یذکر من البداية إلی النهاية لما یزوّد القارئ من القوی التحلیلية وتقدیم المعونة الکبری لضبط انسجام النصّ. إذن، فالعنوان صورة ملخّصة عن المحتوی وهو بذلك یجسد الوحدة الکلية للقصیدة.

⇐ الجزء الثالث

16- النجار، علم لغة النصّ والأسلوب بین النظر والتطبیق، مؤسسة حورس الدولية، مصر، 2013م، ص56.
17- العمري، السابق، ص21.
18-المصدر نفسه، ص29.
19- فتحي، شعر أمل دنقل دراسة أسلوبية، عالم الکتب الحدیث،ط1، الأردن، 2003م، ص111.
20- بن أحمد، البنية الإیقاعية في شعر عزالدین المناصرة، منشورات اتحاد الکتاب الفلسطینیین، القدس، د.ت،ص70.
21- بحیري، علم لغة النص، المفاهیم والاتجاهات، مکتبة ناشرون، ط1، بیروت، 1997م،ص99.
22- العمري، السابق، ص19.
23- المصدر نفسه، ص21.
24- المصدر نفسه، ص25.
25- بلال، مدخل إلی عتبات النص، الدار البیضاء، المغرب، 2000م، ص67.
26- الجزار، العنوان وسیمیوطیقا الاتصال الأدبي، الهیئة المصرية العامة للکتاب، مصر، 1998م، ص15.
27- العمري، السابق، ص29.
28-المصدر نفسه، ص31.

اظهر المزيد

تعليق واحد

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى