أدبنثر

وشمٌ على شفاه الصّوت!

أتقدم بخطواتي هذا العام إلى رحم القصيدة، أغرس فيها الغد بمعاول ذاكرتي المثقلة بالحنين، وهي تنقّب عن مناسك الرّوح بين لهاث الليل المظلم في انقلاب الفصول بين أنامل الزّمان.

ستولد كلّ الحروف قصائد مطر تطفئ نار الفرات. ستعلو الضحكة أمواجه، وسيندلع إكليل الفجر من كفّيه تباشير نور في موسم حصاد الشّروق، حتى تسيل على شاطئيه تفاصيل دجلة بلا عقوق، وهي ترتّل النّخيل تراتيل مقدّسة، في سنابل تحمل أرغفة الشّمس في بطونها.. تقشّر عنها مؤامرات السّباع قبل الضّياع، ومؤتمرات الضّباع قبل الخداع.

حينها ستقبّل شفاه الشّمس وجه الأرض بعد انتهاء تجاعيد وجه النّيل الغاضب، بعد أن فتّقوا صوته في آخر جرعة صمتٍ أثملته سبع عجاف. لن يرقص النّيل بأمواجه بعد اليوم وجعاً، بعد أن قذف من زبده كلّ الغربان التي كانت تحوم حوله، وهي تقدّ شفاه صوته بوشمها المسموم. لن يمزّق الغريب قميص مياهه العذبة بعد اليوم، وقد تفتّقت أزرار شاطئيه من كثرة الحيتان التي ملأت صدره، وهي تغمد الخناجر في حنجرته.

لقد فاض حبر الصّوت من أفواه التّاريخ الممتدّ ما بين وجع النّسيان وإيقاع المسافات الباكية، في مساء يترجم بقايا صهيون على ألسنة الأرض الشّاكية، ما بين زفرة الليمون وآهات الزّعتر والدّحنون، بين أجوبة القدر الذي يشهد أسئلة المدن المكتظّة بالجنود، وبين غصن الذاكرة العالق على تفاصيل الأحلام في صمود، يلوّح للغيم ملء الضّوء وهو يفضي أسراره للأرض عند الحدود.

سأرجع للخلف خطوتين، عند أقدام الأرض الحافية أقبّلها، كي تعلّمني من أنا في عيون الفجر المكتحل بالضّياء، ومن أنا في طفولة الشمس وفي لغة السّماء، حين أتقمّص الصّمت من جوع، فلا أستطيع إعادة الماضي ولا اشتقاق بوصلة الغد، قبل أن أجتمع مع أناي في ضياعٍ يبْعثني من مرقدي حجراً لا ينطق إلّا من دماي، ولا ينزف الخطو من قدميَّ، فلا أتقن حينها من عينيَّ، إلّا عدّ النّجوم والسّهر مع الأمطار تحت تخمة الخريف الغافي في جفون الأشجار.

اظهر المزيد

اترك رد

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى